الفوائد
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص22
دار الكتب العلمية - بيروت
به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن فتضمن هذا الحديث العظيم أمورا من المعرفة والتوحيد والعبودية منها أن الداعي به صدر سؤاله بقوله إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك وهذا يتناول من فوقه من آبائه وأمهاته إلى أبويه آدم وحواء وفي ذلك تملق له واستخذا بين يديه واعتراف بأنه مملوكه وآباؤه مماليكه وأن العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه وأن سيده إن أهمله وتخلى عنه هلك ولم يؤوه أحد ولم يعطف عليه بل يضيع أعظم ضيعة فتحت هذا الاعتراف أني لا غنى بي عنك طرفة عين وليس لي من أعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبر مأمور منهي إنما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه فليس هذا شأن العبد بل شأن الملوك والأحرار وأما العبيد فتعرفهم على محض العبودية فهؤلاء عبيد الطاعة المضافون إليه سبحانه في قوله {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وقوله {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} ومن عداهم عبيد القهر والربوبية فأضافتهم إليه كإضافة سائر البيوت إلى ملكه وإضافة أولئك كإضافة البيت الحرام إليه اضافة ناقته إليه وداره التي هي الجنة إليه وإضافة عبودية رسوله إليه بقوله {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} {سبحان الذي أسرى بعبده} {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} وفي التحقيق بمعنى قوله أني عبدك التزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة وامتثال أمر سيده واجتناب نهيه ودوام الافتقار اليه واللجأ إليه والاستعانة به والتوكل عليه وعياذ العبد به ولياذه به وإن لم لا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفا ورجاء وفيه أيضا أني عبد من جميع الوجوه صغيرا وكبيرا حيا وميتا ومطيعا وعاصيا معافى ومبتلى بالروح والقلب واللسان والجوارح وفي أيضا أن مالي ونفسي ملك لك فإن العبد وما
#
