الفصل في الملل والأهواء والنحل — ج 1
الإمام ابن حزم • العقيدة والتوحيد • ج1 ص158
مكتبة الخانجي - القاهرة
ورفعه الله تعالى كما درست الصحف وكتب سائر الأنبياء جملة فهذا هو الذي قلنا وقد أوضحنا البرهان على صحة ما أوردنا من التبديل والكذب في التوراة والزبور ونورد إن شاء الله تعالى في الإنجيل وبالله تعالى نتأيد فظهر فساد تمويهم نأننا نقربالتوراة والإنجيل والزبور ولم ينتفعوا بذلك في تصحيح ما بأيديهم من الكتب المكذوبة المبدلة والحمد لله رب العالمين وأما استشهادنا على اليهود والنصارى بما فيهما من الإنذار بنبينا صلى الله عليه وسلم فحق وقد قلنا آنفا أن الله تعالى أطلعهم على تبديل ما شاء رفعه من ذينك الكتابين كما أطلق أيديهم على قتل من أراد كرامته بذلك من الأنبياء الذين قتلوهم بأنواع المثل وكف أيديهم عما شاء إبقاءه من ذينك الكتابين حجة عليهم كما كف أيديهم الله تعالى عمن أراد أيضا كرامته بالنصر من أنبيائه الذين حال بين الناس وبين أذاهم وقد أغرق الله تعالى قوم نوح عليه السلام وقوم فرعون نكالالهم وأغرق آخرين شهادة لهم وأملى لقوم ليزدادوا إثما وأملى لقوم آخرين ليزدادوا فضلا هذا مالا ينكره أحد من أهل الأديان جملة وكان ما ذكرنا زيادة في أعلام النبي صلى الله عليه وسلم الواضحة وبراهينه اللائحة والحمد لله رب العالمين
فبطل اعتراضهم علينا باستشهادنا عليهم بما في كتبهم المحرفة من ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم وأما استشهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة في أمر رجم الزاني المحصن وضرب بن سلام رضي الله عنه يد ابن صوريا إذ جعلها على آية الرجم فحق وهو مما قلنا آنفا أن الله تعالى أبقاه حزيا لهم وحجة عليهم وإنما يحتج عليهم بهذا كله بعد إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم بالبراهين الواضحة الباهرة بالنقل القاطع للعذر على ما قد بينا ونبين إن شاء الله تعالى ثم نورد ما أبقاه الله تعالى في كتبهم المحرفة من ذكره عليه السلام إخزاء لهم وتبكيتا وفضيحة لضلالهم لا لحاجة منا الى ذلك اصلاو الحمد لله رب العالمين وأما الخبر بأن النبي عليه السلام أخذ التوراة وقال آمنت بما فيك فخبر مكذوب موضوع لم يأت قط من طرق فيها خير ولسنا نستحل الكلام في الباطل لوصح فهو من التكلف الذي نهينا عنه كما لا يحل توهين الحق ولا الاعتراض فيه وأما قول الله عزوجل {يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} فحق لامرية فيه وهكذا نقول ولا سبيل لهم إلى إقامتها أبدا لرفع ما أسقطوا منها فليسوا على شيء إلا بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكونون حينئذ مقيمين للتوراة والإنجيل كلهم يؤمنون حينئذ بما أنزل الله منهما وجد أو عدم ويكذبون بما بدل فيهما مما لم ينزله الله تعالى فيهما وهذه هي إقامتهما حقا فلاح صدق قولنا موافقا لنص الآية بلا تأويل والحمد لله رب العالمين وأما قوله تعالى {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} فنعم إنما هو في كذب كذبوه ونسبوه إلى التوراة على جاري عادتهم زائد على الكذب الذي وضعه أسلافهم في توراتهم فبكتهم عليه السلام في ذلك الكذب المحدث بإحضار التوراة إن كانوا صادقين فظهر كذبهم وكم عرض لنا هذا مع علمائهم في مناظراتنا لهم قبل أن نقف على نصوص التوراة فالقوم لا مؤنة عليهم من الكذب حتى الآن اذا طمعوا بالتخلص من مجلسهم لا يكون ذلك إلا بالكذب وهذا خلق حسيس وعار لا يرضى به مصحح ونعوذ بالله من مثل هذا وأما قوله تعالى {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله}
#