شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفصل في الملل والأهواء والنحل — ج 3

الإمام ابن حزم • العقيدة والتوحيد • ج3 ص85

مكتبة الخانجي - القاهرة

تعالى فعل تمليكه وملكه على أهل الإيمان ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن ذلك يسخط الله عزوجل ويغضبه ولا يرضاه وهو نفس الذي أنكرته المعتزلة وشنعت به

قال أبو محمد ونسألهم عما مضت الدنيا عليه مذ كانت من أولها إلى يومنا هذا من النصر النازل على ملوك أهل الشرك والملوك الجورة والظلمة والغلبة المعطاة لهم على من ناوأهم من أهل الإسلام وأهل الفضل واحترام من أرادهم بالموت أو باضطراب الكلمة ويانى النصر لهم بوجوه الظفر الذي لا شك في أنه الله تعالى فاعله من أماته أعدائهم من أهل الفضل وتأييدهم عليهم وهذا ما لا مخلص لهم في أن الله تعالى أراد كونه وقال عزوجل {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} فنص تعالى نصاجليا لا يحتمل تأويلا على أنه كره أن يخرجوا في الجهاد الذي افترض عليهم الخروج فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كره تعالى كون ما أراد ونص على أنه ثبطهم عن الخروج في الجهاد ثم عذبهم على التثبيط الذي أخبر تعالى أنه فعله ونص تعالى على أنه قال اقعدوا مع القاعدين وهذا يقين ليس بأمر إلزام لأن الله تعالى لم يأمرهم بالقعود عن الجهاد مع رسوله صلى الله عليه وسلم بل لعنهم وسخط عليهم إذ قعدوا فإذ لا شك في هذا فهو ضرورة أمر تكوين فصح ان الله تعالى خلق قعودهم المغضب له الموجب لسخطه وإذا نص تعالى على أمر فلا اعتراض لأحد عليه وقال عزوجل {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} وهذا نص جلي على أنه عزوجل أراد أن يموتوا وهو كافرون وأنه تعالى أراد كفرهم والقاف من تزهق مفتوحة بلا خلاف من أحد من القراء معطوفة على ما اراد الله عزوجل من أن يعذبهم بها في الدنيا والواو تدخل المعطوف في حكم المعطوف عليه بلا خلاف من أحد في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى

قال أبو محمد فإن قال قائل فان الله عزوجل قال في الذين قعدوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} فلهذا ثبطهم قلنا لا عليكم أكانوا مأمورين بالخروج معه عليه السلام متوعدين بالنار إن قعدوا لغير عذرأم كانو غير مأمورين بذلك فإذ لا شك في أنهم كانوا مأمورين فقد ثبطهم الله عزوجل عما أمرهم به وعذبهم على ذلك وخلق قعودهم عما أمرهم به ثم نقول لهم أكان تعالى قادرا على ان يكف عن أهل الإسلام خبالهم وفتنتهم لو خرجوا معهم أم لا فإن قالوا لم يكن قادرا على ذلك عجزوا ربهم تعالى وإن قالوا أنه تعالى كان قادرا على ذلك رجعوا إلى الحق وأقروا أن الله تعالى ثبطهم وكره كون ما افترض عليهم وخلق قعودهم الذي عذبهم عليه ولا مهم عليه كما شاء لا معقب لحكمه وبالله تعالى التوفيق

قال أبو محمد فإذ جاءت النصوص كما ذكرنا متظاهرة لا تحتمل تأويلا بأنه عزوجل أراد ضلال من ضل وشاء كفر من كفر فقد علمنا ضرورة أن كلام الله تعالى لا يتعارض فلما اخبر عزوجل أنه لا يرضى لعباده الكفر فبالضرورة علمنا أن الذي نفى عز وجل هو غير الذي اثبت فإذ لا شك في ذلك فالذي نفى تعالى هو الرضى بالكفر والذي أثبت هو الإرادة لكونه والشيئة لوجوده وهما معنيان متغايران بنص القرآن وحكم اللغة فإن أبت المعتزلة من قبول كلام ربهم وكلام نبيهم صلى الله عليه وسلم وكلام إبراهيم ويوسف وشعيب وسائر الأنبياء صلى الله عليهم وسلم وأبت

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية