الفصل في الملل والأهواء والنحل — ج 4
الإمام ابن حزم • العقيدة والتوحيد • ج4 ص29
مكتبة الخانجي - القاهرة
(قال أبو محمد) وقال سائر أهل الإسلام كل من اعتقد بقلبه إعتقاد الا يشك فيه وقال بلسانه لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإن كل ما جاء به حق وبرئ من كل دين سوى دين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مسلم مؤمن ليس عليه غير ذلك
(قال أبو محمد) فاحتجت الطائفة الأولى بأن قالت قد اتفق الجميع على أن التقليد مذموم وما لم يكن يعرف باستدلال فإنما هو تقليد لا واسطة بينهما وذكروا قول الله عز وجل {أنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} وقال تعالى {قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه} وقال تعالى {أو لو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} وقال تعالى {وقالوا ربنا انا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} وقالوا فذم الله تعالى اتباع الآباء والرؤساء قالوا وبيقين ندري أنه لا يعلم أحد أي الأمرين أهدى ولا هل يعلم الآباء شيأ أو لايعلمون الإ بالدليل وقالوا كل ما لم يكن يصح بدليل فهو دعوي ولا فرق بين الصادق والكاذب بنفس قولهما لكن بالدليل قال الله عز وجل {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} قالوا فمن لا برهان له فليس صادقا في قوله وقالوا ما لم يكن علما فهو شك وظن والعلم هو إعتقاد الشئ على ما هو به عن ضرورة أو إستدلال قالوا والديانات لا يعرف صحة الصحيح منها من بطلان الباطل منها بالحواس أصلا فصح أنه لا يعلم ذلك إلا من طريق الاستدلال فإذا لم يكن الاستدلال فليس المرء عالما بما لم يستدل عليه وإذا لم يكن عالما فهو شاك ضال وذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة الملك في القبر ما تقول في ها الرجل فأما المؤمن أو الموقن فإنه يقول هو محمد رسول الله قال وأما المنافق أو المرتاب فإنه يقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته قالوا وقد ذكر الله عز وجل الاستدلال على الربوبية والنبوة في غير موضع من كثابه وأمر به وأوجب العلم به والعلم لا يكون إلا عن دليل كما قلنا
(قال أبو محمد) هذا كلما موهوا به قد تقصيناه لهم غاية التقصي وكل هذا لا حجة لهم في شئ منه على ما نبين بحول الله وقوته إن شاء الله تعالى لا إله إلا هو بعد أن نقول قولا تصححه المشاهدة إن جمهور هذه الفرقة أبعد من كل من يتمنى إلى البحث والاستدلال عن المعرفة بصحة الدلائل فأعجبوا لهذا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين
(قال أبو محمد) أما قولهم قد أجمع الجميع على أن التقليد مذموم وأن ما لا يعرف باستدلال فإنما هو أخذ تقليد إذ لا واسطة بينهما فإنهم شغبوا في هذا الإمكان وولبوا فتركوا التقسيم الصحيح ونعم أن التقليد لا يحل البتة وإنما التقليد أخذ المرء قول من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لم يأمرنا الله عز وجل باتباعه قط ولا يأخذ قوله بل حرم علينا ذلك ونهانا عنه وأما أخذ المرء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي افترض علينا طاعته وألزمنا اتباعه وتصديقه وحذرنا عن مخالفة أمره وتوعدنا على ذلك أشد الوعيد فليس تقليدا بل هو إيمان
#