شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الوفاء بين الزوجين حين يصون الإنسان المعروف.. (2-2)

عمرو علي • المرأة والأسرة

لكن المطالبة بالحق ينبغي أن تكون بالطرق المشروعة، وبالكلمة الطيبة ما أمكن، وبالعدل، وبعيدا عن التشهير، وإفشاء الأسرار، والتهديد، واستغلال ما عرفه أحد الزوجين عن الآخر في أوقات الثقة والمودة.

إن من أعظم صور الوفاء أن يتقي الزوج الله في زوجته، وأن يتذكر أن هذه المرأة التي أصبحت شريكة حياته قد نشأت في بيت أهلها، ورعوها، وتعبوا في تربيتها، ثم ائتمنوه عليها، راجين لها معه حياة كريمة مستقرة.

ومن الوفاء أن يصونها في غيابها، ويحفظ سرها، ويستر عيبها، ويحسن عشرتها، ويذكر فضلها، ويحفظ لأهلها مكانتهم، وألا يجعل الخلاف معها سببا في ظلمها أو إيذائها أو التشهير بها.

وكذلك على الزوجة أن تحفظ لزوجها حقه، وتصون سره، وتقدر إحسانه، وتحفظ الود بينهما، وتتقي الله في بيتها وأسرتها.

فإذا قام الزوجان بهذه المعاني، أصبح الزواج ميثاقا حقيقيا من الرحمة والوفاء، لا مجرد عقد يجمع شخصين تحت سقف واحد، بل أمانة يتقربان إلى الله بحفظها، ونعمة يشكرانه عليها، وأسرة تنشأ في ظلالها الأجيال على المحبة والكرامة وحسن الخلق.

لا تجعلوا المعروف طريقا إلى المنِّ والأذى

كما أن على من تلقى المعروف أن يكون وفيا، فإن على المحسن أن يحسن إحسانه لله -تعالى-، وألا يجعل مساعدته للناس سببا في إذلالهم أو تذكيرهم الدائم بفضل يطلب به السيطرة عليهم، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} (البقرة: 264). فالإحسان الحقيقي لا يكون بالمال وحده، وإنما يكون كذلك بصيانة كرامة المحتاج، وعدم إشعاره بأنه أقل منزلة، وعدم تحويل المعروف إلى قيد يطارده في حياته، ومن هنا، فإن العلاقة السوية بين المحسن ومن أحسن إليه تقوم على التوازن: شكر من تلقى المعروف، وإخلاص من قدمه، وحفظ الحقوق من الطرفين، وعدم استغلال الحاجة أو الثقة أو الضعف.

إن المجتمعات لا تستقيم بكثرة القوانين وحدها، وإنما تستقيم كذلك حين تسكن القلوب معاني الوفاء والأمانة والإحسان؛ فالمحسن يحتاج إلى من يقدر معروفه، والصديق يحتاج إلى من يصون وده، والعامل يحتاج إلى من يحفظ حقوقه، وكل إنسان يحتاج إلى أن يأمن جانب من يخالطه ويثق به، وما أجمل أن يبقى الإنسان وفيا لمن وقف معه في وقت ضعفه، وأن يذكر له فضله بعد أن تتغير الظروف، وأن يحفظ سره كما حفظ حاجته، وأن يرد إحسانه بالدعاء والكلمة الطيبة والموقف الكريم!

فإن الوفاء ليس مجرد رد جميل، بل هو امتحان للأخلاق حين تتغير الأحوال، وبرهان على أن المعروف إذا استقر في قلب كريم، لم يتحول إلى نسيان، ولا إلى جحود، ولا إلى أذى. {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} (المزمل: 20).

الصفحة السابقة