من القواعد الفقهية في العمل الخيري .. الإنفاق لا يحتمل التأخير
عيسى القدومي • الفقه
وتختص إدارة البرامج بالتحقق من احتياجات المستفيدين واستحقاقهم وتحديد درجة الاستعجال، في حين تتولى الإدارة المالية التحقق من مصادر الأموال وقيودها وتوافر السيولة وتنفيذ الصرف.
أما الرقابة الشرعية فتضطلع ببيان الأحكام المتعلقة بالأموال والمستحقين وشروط الإنفاق، ويتولى التدقيق الداخلي مراجعة حالات التأخير المتكررة، والكشف عن أسبابها، واقتراح المعالجات المناسبة، وبذلك تتكامل المسؤوليات دون أن تتحول كثرة الموافقات إلى سلسلة من الانتظار، أو تصبح سرعة الصرف مسوغا لتجاوز الضوابط وحماية الأموال.
قياس سرعة الإنفاق وكفاءة الأداء
من أهم متطلبات الحوكمة تحويل الالتزام بسرعة الصرف إلى مؤشرات قابلة للقياس والمراجعة، ويمكن قياس نسبة الالتزام بمواعيد الصرف من خلال مقارنة عدد المعاملات المنفذة في موعدها بإجمالي المعاملات المستحقة، وقياس متوسط زمن الصرف بحساب المدة بين اكتمال الطلب ووصول المساعدة إلى المستفيد.
كما ينبغي رصد حالات التأخير غير المسوغ، ومتابعة الأرصدة المتاحة غير المصروفة بحسب أغراضها، وقياس زمن الاستجابة للطوارئ، وتحديد الإدارات والبرامج التي يتكرر فيها تجاوز المواعيد.
ولا يكفي الاعتماد على متوسط زمن الصرف وحده؛ فقد تخفي الأرقام الإجمالية تأخيرًا شديدًا في حالات إنسانية حرجة. ولذلك ينبغي تصنيف النتائج بحسب طبيعة الحاجة ودرجة الاستعجال ونوع المال.
سرعة الإنفاق مسؤولية شرعية ومؤسسية
إن قاعدة »الإنفاق لا يحتمل التأخير« تؤكد أن الزمن عنصر مؤثر في تحقيق مقاصد العمل الخيري، وأن حسن إدارة الأموال لا ينفصل عن حسن توقيت إنفاقها، فالمؤسسة الرشيدة ليست التي تحفظ الأموال من الضياع فحسب، بل التي تحفظ كذلك حقوق أصحابها من التعطيل، وتوازن بين سرعة الاستجابة وسلامة الإجراءات، وتقدم الضرورات دون الإخلال بالحقوق والشروط الشرعية، وخلاصة ذلك أن المال الخيري أمانة، وتأخير وصوله إلى مستحقه قد يضيع منفعته؛ فليست العبرة بأن تصل المساعدة فحسب، بل أن تصل حين تكون الحاجة إليها أشد، وأثرها أعظم.
تطبيقات عملية في المؤسسات الخيرية
تتجلى أهمية هذه القاعدة في ميادين متعددة، أبرزها ما يلي:
الاستجابة للكوارث؛ حيث يتعين التعجيل بتوفير الغذاء والماء والدواء والإيواء للمتضررين، وفق الإمكانات والالتزامات القائمة.
وتظهر كذلك في البرامج الدعوية والتعليمية التي ترتبط بحاجات ملحة، ويخشى من تأخيرها فوات مصلحة معتبرة، مع مراعاة ترتيب الأولويات الشرعية.
وفي مواجهة الأوبئة، تبرز ضرورة المبادرة إلى توفير العلاج والأدوية ومستلزمات الوقاية، لما في ذلك من حفظ الأنفس والحد من انتشار الضرر.
وتشمل القاعدة أيضًا انتظام صرف المساعدات الشهرية للمحتاجين، وأداء أجور العاملين في مواعيدها؛ فهذه حقوق ثابتة لا يجوز تعطيلها دون مسوغ، كما أن انتظامها يعزز استقرار العمل المؤسسي.
أما تكديس الأموال المخصصة للصرف العاجل وتأخير إيصالها إلى مستحقيها دون عذر، فقد يترتب عليه إخلال بالأمانة وإضرار بالمحتاجين، وتتأكد خطورته في أموال الزكاة والتبرعات المقيدة بشروط المتبرعين، مع مراعاة الأحكام الخاصة بكل نوع منها.