شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تقديم الكبرياء على الحقيقة .. العناد السلبي

سالم أحمد الناشي • مذاهب فكرية في الميزان

تقديم الكبرياء على الحقيقة .. العناد السلبي

يرى الناس الحق ماثلا أمام أعينهم، ثم يُشيحون بوجوههم عنه؛ لا لأنهم لم يعرفوه، بل لأنهم أبَواْ أن يعترفوا به، وذلك هو العناد السلبي: أن تتمسك برأيك؛ لأنه رأيك، وتردّ الصواب؛ لأنه جاء من غيرك، ما يمنعك غيرُ كبريائك حقيقةً.

وقد بَيَّن القرآن هذا الخلق المذموم في أقوام عرفوا الحق وجحدوه؛ فقال - تعالى عن فرعون وقومه-: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}(النمل: 14). «وَجَحَدُوا بِهَا أي: كفروا بآيات الله جاحدين لها، وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ أي: ليس جحدهم مستندا إلى الشك والريب، وإنما جحدهم مع علمهم ويقينهم بصحتها؛ ظُلْمًا منهم لحق ربهم ولأنفسهم، وَعُلُوًّا على الحق وعلى العباد وعلى الانقياد للرسل؛ {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}، أسوأ عاقبة؛ حيث دمرهم الله وأغرقهم في اليمِّ وأخزاهم، وأورث مساكنهم المستضعفين من عباده» (السعدي). فالمشكلة لم تكن في الدليل، بل في النفس التي استعلت عليه.

وهل كان كفر إبليس إلا إباءً واستكبارا؟: فهو لم يجحد أمر الله -تعالى-، ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار! قال -تعالى-:{إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (البقرة:34).

وحذّر -سبحانه- من عاقبة هذا الصنيع فقال: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} (إبراهيم: 15)، «{وَاسْتَفْتَحُوا} يعني: الكفار، أي: هم الذين طلبوا واستعجلوا فتح الله وفرقانه بين أوليائه وأعدائه؛ فجاءهم ما استفتحوا به، وإلا فالله حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي: خسر في الدنيا والآخرة مَن تجبر على الله وعلى الحق وعلى عباد الله، واستكبر في الأرض وعاند الرسل وشاقهم» (السعدي). فجعل الخيبة مصير كل متجبّر معاند. ومن أخطر أنواع العناد أن يُنصح الإنسان فيزداد تمسكًا بخطئه، قال -تعالى-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} (البقرة: 206)، أي حملته الأنفة المذمومة على الإصرار على الذنب بدل الإقلاع عنه.

وعرّف النبي -صلى الله عليه وسلم- الكِبر تعريفًا جامعًا يدخل فيه العناد دخولًا أوليًّا، فقال: «الكِبر بَطَر الحق وغَمْط الناس»، وبطر الحق هو دفعه وردّه ترفعًا، وغمط الناس احتقارهم. وفي أنواع الخصومة قال - صلي الله عليه وسلم -: «أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخَصِم» ، وهو الشديد الجدال بالباطل، الذي لا يبتغي الحق بل الغلبة.

وفرقٌ بين الثبات والعناد: فليس كل تمسكٍ عنادًا؛ فالثبات على الحق فضيلة أمر الله بها: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} (هود: 112). والفارق أن الثابت متمسك بالدليل، فإذا ظهر له خطؤه رجع، أما المعاند فيتمسك برأيه ولو تبيّن له بطلانه.

وأول علاج العناد السلبي: استحضار أن الرجوع إلى الحق شرف لا نقيصة. قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل». وثانيها: مجاهدة الكِبر بالتواضع، فقد قال -صلي الله عليه وسلم-: «وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه». وثالثها: الاستشارة وسماع الرأي الآخر بصدر رحب، ورابعها: الدعاء بأن يرزقنا الله قلبًا يقبل الحق ويلين له.

خلاصة القول: العناد في حقيقته خسارة مضاعفة: خسارة للحق، وخسارة للنفس التي سدّت على نفسها باب التصحيح. فالمؤمن شعاره أن الحق أحب إليه من رأيه، فإذا بان له تقبله، ولو جاء على لسان أبسط الناس!