مداد حواء – قصد السبيل – جيل يعرف حقوقه.. فهل يعرف واجباته؟
مجلة الفرقان الكويتية • مذاهب فكرية في الميزان
مداد حواء – قصد السبيل – جيل يعرف حقوقه.. فهل يعرف واجباته؟
من خصائص الشريعة أنها لم تجعل أهواء الإنسان ورغباته غايةً عليا، بل ربّته على العبودية لله، وتحمل المسؤولية، وأداء الأمانة
ليس هناك ثمة مشكلة في أن يعرف الإنسان حقوقه، بل إن معرفة الحقوق وحفظها مقصد شرعي معتبر، لكن الخلل يبدأ حين تتضخم لغة الحقوق، وتضمر أمامها لغة الواجبات فينشأ إنسان شديد الحساسية تجاه التقصير في حقه، قليل الحساسية تجاه تقصيره في حقوق غيره، وهنا ثمة وقفات يجب أن نتأملها:
أولا: الإسلام لم يبن الإنسان على «الاستحقاق» دون البذل
من خصائص الشريعة أنها لم تجعل أهواء الإنسان ورغباته غايةً عليا، بل ربّته على العبودية لله، وتحمل المسؤولية، وأداء الأمانة؛ قال -تعالى-: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} (الصافات: 24)، وقال -سبحانه-: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} (الأحزاب:72) فالإنسان في ميزان الشريعة ليس صاحب حقوق فحسب، بل مؤتمن على واجبات ومسؤول عن أدائها، وقد قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأصل بقوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، فقبل أن يسأل الأبناء عن حقوقهم، فليسألوا عن برّ والديهم، وقبل أن يطالب الزوجان بحقوقهما، فلينظر كلٌّ منهما فيما أدّاه من واجبات، وقبل أن يسأل الموظف عمّا يستحق، فليحاسب نفسه على أمانة العمل.
ثانيًا: ليس من العيب معرفة الحقوق والمطالبة بها
من الخطأ أن يكون علاج الظاهرة بإقناع الناس بالتنازل عن حقوقهم، فالحقوق في الإسلام ليست ترفًا، والظلم ظلمات، والصبر لا يعني تمكين الآخرين من التعدي على الحقوق، قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (النحل: 90)، إنما المشكلة تكمن في: (أعرف حقي عليك، ولا أعرف حقك علي، وأحصي تقصيرك معي، ولا أحصي تقصيري معك، وأطالبك بالعدل ثم أستأثر بكل شيء لنفسي)، وهنا تتحول معرفة الحقوق من وسيلة لتحقيق العدل إلى ثقافة استحقاق تجعل الإنسان دائم الانتظار لما سيقدمه الآخرون له.
ثالثا: حين تغلب الأنا ويكون المبدأ هو «الأثرة» وليس «الإيثار»
ثمة تحوّل يستحق التأمل، حين تصبح رغبات الإنسان ومصالحه معيارًا يحكم به على كل شيء؛ فيسأل: هل يريحني؟ هل يُقدّرني الآخرون؟ هل أنال ما أستحق؟ وهي أسئلة مشروعة في مواضعها، لكن الخلل حين تغيب عنها أسئلة المسؤولية: هل أديت واجبي؟ هل وفيت بوعدي؟ هل أحسنت إلى غيري؟ ومن هنا تنشأ هشاشة كثير من العلاقات؛ فالجميع يطلب التقدير، وقليل من يبذله، وكلٌّ ينتظر أن يفهمه الآخرون، وقليل من يسعى إلى فهمهم. وإذا انشغل الجميع بالمطالبة بحقوقهم، فمن يبادر إلى أداء الواجبات؟
رابعًا: التربية التي تعلم الحقوق وتنسى الواجبات
قد يبدأ الخلل مبكرًا جدًا، حين يكبر الطفل وهو يسمع باستمرار: (لا تهتم بالآخرين، افعل ما يجعلك سعيدًا، لا تسمح لأحد أن يضغط عليك، لا أحد يحق له أن يزعجك، لا تتحمل أحدًا، نفسك أولا في كل موقف)، لكننا لا نكرر بالقوة نفسها: (احفظ حق الآخرين، تحمل مسؤولية اختيارك، راع مشاعر غيرك، اخدم من حولك، اصبر على بعض ما تكره، اعتذر حين تخطئ، أوف بوعدك، ولا تجعل راحتك الشخصية فوق حقوق الآخرين)، فتنشأ شخصية تعرف جيدًا كيف ترسم حدودها، لكنها لا تعرف كيف تقف عند حدود الله وتؤدي حقوق عباد الله.
خامسا: حين تتفشى ثقافة الاستحقاق في الأسرة
يريد الابن من والديه تفهّم احتياجاته واحترام حقوقه، وقد يغفل عن واجبه في البر والتوقير، وفي المقابل، قد يطالب الوالدان أبناءهما بالطاعة والبر، ويغفلان عن واجبات التربية والعدل والرحمة. وكذلك في الحياة الزوجية؛ فقد يطالب الزوج بحقوقه ويحاسب على أدنى تقصير، متناسيًا واجباته تجاه زوجته، وقد تنشغل الزوجة بمطالبها وحقوقها، وتغفل عن مسؤولياتها تجاه زوجها، والمفارقة أن كثيرًا من العلاقات لا تتصدع جهلًا بالحقوق، وإنما لانشغال كل طرف بما يستحقه، وغفلته عما يجب عليه؛ فتكثر المطالب، وتقل المبادرات، ويضعف الإحسان، وتضيع المودة بين حسابات الأخذ والعطاء.
سادسا: العبادات تربينا على البذل لا التمركز حول الذات
قال الله -تعالى- في وصف الأبرار: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} (الإنسان)، فمن ثمرات العبادة أن تصنع منا إنساناً يتعامل بمبدأ الإيثار، إنسان يفعل الخير يبذل ويؤدي ويحسن، ثم يتولى عن انتظار المقابل من الخلق، قال -تعالى-: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (الحشر: 9)، ولا يعنى هذا إلغاء الذات أو إهدار الحقوق، وإنما يعني ألا يصبح الإنسان أسيراً لرغباته مستأثراً بذاته.
سابعًا: صور واقعية لاختلال الميزان بين المطالبة والبذل
وتتجلى هذه الظاهرة في مواقف يومية تكشف اختلال ميزان الحقوق والواجبات؛ فقد يطالب الإنسان باحترام وقته، ويهدر وقت عمله، وينتظر سؤال الناس عنه، ولا يسأل عنهم، ويغضب لتجاهل رسائله، بينما يتجاهل رسائلهم. يريد حسن الظن به، ويسيء الظن بغيره، ويلتمس العذر لنفسه، ولا يعذر الآخرين، وينتظر مساعدتهم، ولا يبادر إلى إعانتهم، ويتمسك بحقه في إبداء رأيه، ولا يحتمل مخالفيه، ويطالب بالاعتذار، ويراه انتقاصًا من كرامته إذا صدر منه، وينتظر تقدير معروفه، وينسى أفضال الآخرين عليه. وهكذا تختل العلاقات حين يطالب الإنسان بحقوق لا يقرّ بمثلها لغيره، وفضائل لا يُلزم نفسه بها.
ختاماً نقول: لا تكن محاميًا بارعًا عن حقوقك، وقاضيًا حازماً على تقصير الآخرين تجاهك، اعرف حقك فلا تُظلم، واعرف واجبك فلا تَظلم، فهذه التربية تصنع شخصية متوازنة قوية بلا أنانية، كريمة بلا استضعاف، تعرف مالها وما عليها، فالحقوق تحفظ قدر الإنسان والواجبات تكشف معدنه.