نوح أبو البشر !
د. أمير الحداد • مذاهب فكرية في الميزان
معنا في القسم مهندس مصري، اسمه (آدم)، كلنا يرجو أن يعمل معه مساعدا له، لاجتهاده وتفانيه في العمل، وحسن خلقه، كنت أمازحه وأناديه (أبو البشر)!
كنا في مكتبي ذات يوم نراجع أداء الطلبة بعد الاختبار الثاني، انتهينا من المهمة، سألني بعد أن استأذن أن نتحدث خارج العمل:
فاجأني بسؤاله، فكرت لحظات: نعم صدقت، نوح هو أبو البشر الحاليين، وآدم كان أول البشر قبل الطوفان! دعنا نبحث في كتب التفسير، وما هي إلا ثلاث دقائق على الحاسوب ومن خلال المكتبة الشاملة (كتب التفسير).
صريح القرآن الكريم على أن جميع من على الأرض أغرقوا بالطوفان، ولم ينج من البشر. ولا من الحيوان إلا من حمله نوح -عليه السلام- معه في السفينة. قال الله -تعالى-: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} (الشعراء). وقال -عز وجل-: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلَّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ. إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} (هود:40). وقال -تعالى-: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} (يونس:73).
كما جاء النص في القرآن الكريم على أن الأرض إنما عمرت بعد ذلك من نسل ذرية نوح -عليه السلام- فقط، وأما المؤمنون الذين نجوا معه في السفينة فلم تبق لهم ذرية، فجميع أهل الأرض الآن من ذرية نوح -عليه السلام-.
قال الله -تعالى-: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} (الصافات). قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لم تبق إلا ذرية نوح -عليه السلام-. وقال قتادة في قوله: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} قال: الناس كلهم من ذرية نوح -عليه السلام-. (7/22) تفسير القرآن العظيم (لابن كثير). قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: وقد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة.
فعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم. وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفسا، وقيل: كانوا عشرة.
قال جماعة من المفسرين: ارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض خمسة عشر ذراعا، وهو الذي عند أهل الكتاب، وقيل: ثمانين ذراعا، وعَمَّ جميع الأرض طولها وعرضها، سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف، ولا صغير ولا كبير، قال الإمام مالك عن زيد بن أسلم: كان أهل ذلك الزمان قد ملؤوا السهل والجبل، فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح -عليه السلام- فكل من على وجه الأرض اليوم من نسله، قال -تعالى-: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ}.
بنو آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة، وهم: (سام وحام ويافث) انتهى باختصار. (1/111-114) «البداية والنهاية».
وقال العلامة الطاهر بن عاشور -رحمه الله-: ضمير الفصل في قوله: {هُمُ الْبَاقِينَ} للحصر، أي: لم يبق أحد من الناس إلا من نجاه الله مع نوح في السفينة من ذريته، ثم من تناسل منهم، فلم يبق من أبناء آدم غير ذرية نوح، فجميع الأمم من ذرية أولاد نوح الثلاثة، وظاهر هذا أن من آمن مع نوح غير أبنائه لم يكن لهم نسل. قال ابن عباس: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه. وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله في سورة هود: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ } (هود:40)، وهذا جار على أن الطوفان قد عم الأرض كلها، واستأصل جميع البشر، إلا من حملهم نوح في السفينة» انتهى. (23/47) «التحرير والتنوير»، وأما قوله -سبحانه وتعالى-: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} (الإسراء:3).
وقوله -عز وجل-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (مريم:58).
فلا يدل على استمرار نسل المؤمنين الذين حملهم نوح -عليه السلام- معه، بل المقصود أبناء نوح -عليه السلام- الذين استمر نسلهم دون باقي المؤمنين. قال العلامة الأمين الشنقيطي -رحمه الله-: قوله -تعالى-: {ذُريَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ. عَبْدًا شَكُورًا}، بين أن ذرية من حمل من نوح لم يبق منها إلا ذرية نوح في قوله: {وَجَعَلْنَا ذُريَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} انتهى.
- إذًا نوح هو أبو البشر، وآدم، جد البشر، هكذا يكون التعبير أدق، ولكن من هم أبناء نوح الثلاثة الذين أشار إليهم المفسرون؟
إذًا أنت جد البشر! وأبناء نوح هم (حام) وهو أصغرهم و(سام) وهو أوسطهم و(يافث) وهو أكبرهم، فجميع البشر اليوم يرجعون إلى أحد هؤلاء.
- وماذا عن ابنه الذي أبى أن يركب معه في السفينة؟
- اسمه (كنعان)، أهلكه الله، وكذلك زوجته، كانت من الكافرين فأهلكها الله في الطوفان، ولم يكن معه في السفينة إلا من آمن به، ولم يؤمن به إلا قليل، كان عددهم ثمانين رجلا، حتى وإن كان معهم نساء، فإن الجميع مات، ولم يبق إلا ذرية نوح الذين كانوا معه في السفينة، هم الذين نزلوا وزوجاتهم من السفينة وانتشروا في الأرض!
- إذًا جميع البشر، الأبيض والأحمر والأسود والصيني والأوروبي والعربي، كلهم من هؤلاء الثلاثة؟
- نعم، أما (يافث) وهو أكبرهم، فانحدر من نسله، الترك ومنهم التتر، والشركس، والأزكش، والروس، والصقالبة، والصين، والفرنج، ويأجوج ومأجوج.
(سام) انحدر من نسله الجرامقة والسريان والعبرانيون والكرد والنبط والعرب. و(حام) وهو أصغرهم انحدر من نسله السند والحبشة والنوبة والزنج والهند والكنعانيون وزويلة.
ولا شك أن أصل خلق آدم كان من تربة جميع الأرض؛ فانتقلت هذه (الجينات) إلى نوح ومنه إلى ذريته، ومنهم إلى جميع البشر، باختلاف ألوانهم وأشكالهم وهيئاتهم، كما في الحديث عن أبي موسى الأشعري، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض؛ فجاء بنو آدم على قدر الأرض: جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب» صحيح أبي داود.