شرح كتاب المُزارَعة من صحيح مسلم .. باب: كرَاءُ الأرْض
د. محمد الحمود النجدي • الحديث الشريف
شرح كتاب المُزارَعة من صحيح مسلم .. باب: كرَاءُ الأرْض
نهى الإسلام عن المُحاقلة لما فيها من الغرر والجهالة وأقرَّ البيع القائم على العدل والتراضي وحرَّم كل معاملة تنطوي على ظلم أو غش أو إجحاف
لا ينهى اللهُ عزَّ وجلَّ ورسولُه - صلى الله عليه وسلم - عمَّا فيه نفعٌ ومصلحة وإنما يكون النهيُ عمَّا فيه مفسدةٌ وشرٌّ أو ما يُفضي إليهما
جاء الإسلام لينظم العلاقات والمعاملات بين الناس على أسس من التعاون والألفة والمحبة والمودة بما يعزز التآلف والتراحم ويصون الحقوق ويمنع أسباب النزاع والشقاق
عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَنُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، فَجَاءَنَا ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مَنْ عُمُومَتِي، فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعاً، وطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ أَنْفَعُ لَنَا، نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بِالْأَرْضِ، فَنُكْرِيَهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، والطَّعَامِ الْمُسَمَّى، وأَمَرَ رَبَّ الْأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا أَوْ يُزْرِعَهَا، وكَرِهَ كِرَاءَهَا ومَا سِوَى ذَلِكَ؛ الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1181) باب: كرَاءُ الأرْض بالطعام.
وقولُه: «كُنَّا نُحَاقِلُ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -» يُخبِرُ رافعُ بنُ خَدِيجٍ - رضي الله عنه - أنَّهم كانوا يُحاقِلُون الأرضَ على عَهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، واختُلِف في مَعنى المُحاقَلةِ؛ فقيل: هي إجارةُ الأرضِ بالحِنْطةِ؛ هكذا جاء مُفسِّراً في بَعضِ الرِّواياتِ، وهو الَّذي يُسمِّيه الزَّرَّاعُون: المُحارَثةَ، وقيل: هي المُزارَعةُ على نَصيبٍ مَعلومٍ؛ كالثُّلثِ والرُّبعِ ونَحوِهما، كما جاء في هذا الحديثِ.
وقولُه: «والطَّعامِ المسمَّى» أي: بأخذِ نَصيبٍ مُحدَّدٍ مِن الثَّمرِ أُجرةً على الأرضِ، وكلُّ هذا يَحمِلُ الجَهالةَ في العَقدِ بيْن المالِكِ والمُستأجِرِ، ثمَّ أخبَرَ رافِعٌ - رضي الله عنه - أنَّ الأمرَ استَمرَّ عِندهم على ذلك حتَّى جاءهمْ ذاتَ يومٍ أحَدُ أعمامِهِ- قيلَ: هو عَمُّهُ ظُهَيرُ بنُ رافِعٍ- فأخبَرَهم أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهاهم عَن أمْرٍ كانَ نافعًا لهم، يُريدُ المُحاقَلةَ، وهو ما كان يَحصُلُ لهم مُقابِلَ استئجار الأرضِ، فيَستفيدونَ من ذلك، ويَستفيدُ العاملُ، ولكنَّ هذِه المَنفَعةَ في الحَقيقةِ مَنفَعةٌ جُزْئيَّةٌ، وربَّما لم يَسلَمْ مِن الضَّررِ؛ فربَّما هَلَكتْ ثِمارُها، وضاع حقُّ أحدِهما.
وقولُه: «إلَّا أنَّ طَواعِيةَ اللهِ ورَسولِهِ أنفَعُ لنا» أي: فإنَّ طاعةَ اللهِ ورسولِه - صلى الله عليه وسلم - فِيما يأمرنا به، يُرِشدُنا إليه، أنفَعُ لنا مِن هذا النَّفعِ المَظنونِ في الكِراءِ والمزارعةِ الَّتي كُنَّا نَفْعَلُها، فإجابةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - (أنفَعُ وأصلَحُ لِدِينِنا ودُنْيانا)، وكانَ مِنْ مُحاقَلتِهمْ بالأرْضِ أنَّهم كانوا يُؤجِّرُونها بالثُّلُثِ والرُّبُعِ والطَّعامِ المُسَمَّى، أي: بأخْذِ نَصيبٍ مِن الثَّمرِ أُجرةً على الأَرضِ، فأمَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صاحبَ الأرضِ أنْ يَزرَعَها بنفْسِه إنِ استطاع، أو يُعطِيها لمَن يَزرَعُها، وكَرِهَ - صلى الله عليه وسلم - «كِراءَها، وما سِوى ذلكَ» أي: وكلَّ ما يَتعلَّقُ بالإكْراءِ، وقيل: إنَّ هذا في أوَّلِ الهجرةِ رِفقًا بهم؛ إمَّا أنْ يَزرَعوها، وإمَّا أنْ يَزرَعَها غيرُهم مِن إخوانِهم المهاجرينَ.
ثمَّ رخَّصَ في الأُجرةِ - صلى الله عليه وسلم -، وورَدَ عنه أنَّ الإجارةَ بالذَّهبِ والفِضَّةِ والنَّقدِ لا بأسَ بها؛ ففي الصَّحيحينِ: عن حَنْظلةَ بنِ قَيسٍ: أنَّه سَأل رافعَ بنَ خَديجٍ عن كِراءِ الأرضِ، فقال: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن كِراءِ الأرضِ، قال: فقلْتُ: أبِالذَّهبِ والوَرِقِ؟ فقال: «أمَّا بالذَّهبِ والوَرِقِ فلا بأسَ به»، وفي الصَّحيحينِ أيضاً: عن ابنِ عمَرَ -رضي الله عنهما-، قال: «عامَلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَيبَرَ بشَطرِ ما يَخرُجُ منها مِن ثمَرٍ أو زرْعٍ».
وعليه فإنَّ للمالكِ أنْ يُؤجِّرَها بنِسبةٍ شائعةٍ ممَّا يُزرَعُ فيها، كالرُّبعِ والثُّلثِ مِن إنتاجِها، والمَنهيُّ عنه: هو ما كان فيه مُخاطَرةٌ وجَهالةٌ وغرَرٌ، وكان أشْهَرُها هي الَّتي كان يَختَصُّ بها صاحبُ الأرضِ بجُزءٍ منها وما تُنبِتُه لنفسِه، فقد لا تثمر إلا هذه البقعة، ولا يستفيد الزارع منْ زراعته شيئاً.
النّهي عن المُحاقلة التي كانتِ في الجاهِليَّةُ، وكان يَسودُ فيها أنواعٌ مِن المعاملاتِ الَّتي تَمتلِئُ ظُلماً وإجْحافاً، فلمَّا جاء الإسلامُ أقرَّ البَيعَ العادلَ، ونهَى عن كلِّ ما فيه ظُلمٌ؛ ومَنَع ما فيه الغِشُّ والغرَرُ والجَهالةُ، لقَطْعِ النِّزاعِ والخُصومةِ بيْن الناسِ، وهذا مَقصِدٌ عظيم مِن المَقاصِدِ الشَّرعيَّةِ.
أنَّ اللهَ -عزَّوَجلَّ- ورَسولَهُ - صلى الله عليه وسلم - لا يَنْهيانِ عنِ المنافِعِ والمَصالحِ، وإنَّما يَنْهيانِ عنِ المفاسِد والشرورِ، وما يُؤدِّي إليها.
عَنْ حَنْظَلَة بْن قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ - رضي الله عنه - عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا، ويَسْلَمُ هَذَا، ويَسْلَمُ هَذَا، ويَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1183) باب: كرَاءُ الأرْض بالذهب والفضة.
يسَأل التَّابعيُّ حَنظلةُ بنُ قَيسٍ الأنصاريُّ؛ الصَّحابيَّ رافِعَ بنَ خَدِيجٍ - رضي الله عنه - عنْ كِراء الأرض الزّراعية، أي: إجارتِها بالذَّهبِ والوَرِقِ، وهو الفِضَّةُ، والمرادُ بهما: الدِّينارُ والدِّرهمُ، وهذا سُؤالٌ عن إجارةِ الأرضِ بالنَّقدينِ، دونَ الإجارةِ على شَيءٍ مِنَ الثَّمرِ الخارج مِنَ الأرض، فأجابَ رافِعٌ - رضي الله عنه -: بأنَّه لا مانِعَ أنْ تَكونَ الأُجْرةُ على الأرضِ بالذَّهبِ والفِضَّةِ، وقالَ: «إنَّما كانَ النَّاسُ يُؤاجِرُونَ الأرضَ على عَهدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على الماذِيانَاتِ» وهي مَسايِلُ المِياهِ مِن النَّهرِ الكَبِيرِ، وقيلَ: ما يَنبُتُ على حافَتَيْ مَسيلِ الماءِ، وقيلَ: ما يَنبُتُ حوَلَ السَّواقِي.
وقولُه: «وأقْبالِ الجَداولِ» وهي رُؤوسُ الأَنهارِ الصَّغيرةِ، «وأشْياءَ مِن الزَّرعِ» أي: أنواعاً مِن المزرُوعِات، والمَعنى: أنَّ المالِكَ يُحدِّدُ لنَفسهِ الأماكِنَ الَّذي سيَخرُجُ فيها أفضلُ الثِّمارِ، أو أجودُ الزُّروعِ، والباقي يَكونُ للمُستأْجِرِ.
قال رافِعٌ: «فيَهْلِكُ هَذا ويَسْلَمُ هذا، ويَسْلَمُ هذا ويَهْلِكُ هذا» أي: إمَّا أنْ تَهلِكَ ثِمارُ المالكِ، وإمَّا أنْ تَهلِكَ ثِمارُ المستَأجِرِ، فيَبُخَسُ حقُّ أحدِهِما.
قوله: «فلمْ يَكنْ للنَّاسِ كِراءٌ إلَّا هذا؛ فلذلِكَ زُجِرَ عنه» أي: نَهَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ مِثلِ هذا الكِراءِ؛ لِما فيه مِنَ الجَهالةِ، والجَهالَةُ غَرَرٌ محرّم، فأمَّا الإجارةُ بشَيءٍ مَعلومٍ مَضمونٍ- أي: مَعروفِ الأُجرةِ بالنَّقدِ- فلا مانِعَ مِن إجارةِ الأرْضِ به.
جواز إجارة الأرضِ بالقيمةِ المعلومةِ، مِن النَّقدِ والعُملةِ وما شابهه, والمنع من إجارتها بجزءٍ من ثمرِ الأرض خاصّ بصاحب الأرض.