شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: السَّلَف في الثّمَار
د. محمد الحمود النجدي • الفقه
أي: إذا مُيِّزَتْ وبُيِّنت الطرقُ والشوارعُ لكلِّ نصيبٍ؛ فلا يكونُ لأيٍّ مِن الشُّركاءِ حقُّ الشُّفعةِ، ويكونُ لأيِّ شَرِيكٍ منهم بَيْعُ نَصِيبِه لِمَن أراد حتَّى لغيرِ الشُّرَكاءِ.
دليلٌ على إثباتِ الشُّفعة في المَشَاعِ، ونفيِها عمَّا قد قُسم.
أنه إذا تم تقسيمُ الأنصبة المشتركة وتحديدها، بطَل حقُّ الشفعة.
حُكم الشفعة مما سبق به الإسلامُ جميعَ الأنظمة والقوانين في العالم، وهو شاهدٌ مِن أصدق الشهود العدول على دقَّة أحكام شريعة الإسلام، وشدة محافظتِها على أمْوال الناس، وسلامة قلوبِهم، وإبعاد الأذى والضّرر عنهم، وقد بدأت بعض الدول الأوربية بنقل حُكْم الشفعة إلى أنظمتها، والعمل به في محاكمها، والفضل ما شهدت به الأعداء، ولا شك أن من معجزات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الأمي- هذه التشريعاتِ الدقيقةَ، والأحكام الباهرة الخالدة، والقواعدَ المتينة التي تُقيم المجتمع المثالي، والأمة الصالحة، فلله الحمد وله المنة على نعمة الإسلام.
جُبلت النفوس على تعظيم ما تعتقد مكانته وفضله؛ فتختلف الأمم والملل في مُعظَّماتها بحسب معتقداتها وتصوراتها، وقد يبلغ التعظيم عند بعض الناس حدَّ الغلو، فيصرفون شيئًا من العبادة لغير الله -تعالى-، أو يرفعون بعض المخلوقات فوق منزلتها التي تستحقها.
أما المسلم، فأصل التعظيم في قلبه لله وحده؛ فهو -سبحانه- المستحق للعبادة والتقديس والإجلال، لا شريك له، كما يعظِّم المسلم ما عظَّمه الله -تعالى- وأمر بتعظيمه، كلٌّ بحسب منزلته الشرعية؛ فيعظِّم أنبياء الله ورسله من غير غلوٍّ فيهم، ويوقر كتابه وشرعه، ويعظِّم بيته الحرام، وحرماته وشعائره، ويلتزم أوامره ويجتنب نواهيه.
وتعظيم شعائر الله ليس مظهرًا مجردًا، بل عبادة قلبية يظهر أثرها على الجوارح والسلوك؛ إذ تنبع من معرفة العبد بربه، وإجلاله لأمره ونهيه، وتعظيم كل ما عظَّمه -سبحانه-، قال -تعالى-: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} (الحج: 32)، فجعل -سبحانه- تعظيم شعائره أثرًا من آثار تقوى القلب ودليلًا عليها.
كما قرن الله -تعالى- تعظيم حرماته بالخيرية للعبد، فقال -سبحانه-: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} (الحج: 30). وتعظيم حرمات الله يكون بالوقوف عند حدوده، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وصيانة ما عظَّمه الشرع من الاستخفاف أو الامتهان.
ومن هنا فإن حقيقة تعظيم الدين لا تقف عند الكلمات والشعارات، وإنما تظهر في القلب خشيةً وإجلالًا، وفي القول أدبًا وتوقيرًا، وفي العمل امتثالًا واستقامةً. وكلما ازداد العبد معرفةً بالله وبدينه، كان أعظم توقيرًا لشعائره وحرماته؛ لأن تعظيم أمر الله من تعظيم الآمر -سبحانه-، وتعظيم شعائر الدين شاهد على حياة الإيمان في القلب.