شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

استفادة طالب العلم من الذكاء الاصطناعي دون التفريط في الأمانة العلمية

مجلة الفرقان الكويتية • مذاهب فكرية في الميزان

قد ينتج الذكاء الاصطناعي عبارة بليغة تتضمن معلومة غير صحيحة، أو حديثًا لا يثبت، أو قولًا منسوبًا إلى عالم لم يقله، أو إحالة إلى مصدر لا توجد فيه المعلومة. وقد تبدو الإحالة دقيقة بما تشتمل عليه من اسم كتاب ورقم جزء وصفحة، مع أنها غير صحيحة، ومن ثم، فالمراجعة النهائية ليست تدقيقًا لغويًّا فحسب، بل تحقيق علمي يشمل النقول والمصادر والأدلة والنتائج. ويقتضي ذلك الرجوع إلى المواضع المشار إليها، ومقابلة النصوص بأصولها، والتأكد من أن النقل لم يُنتزع من سياقه، وأن النتيجة لا تتجاوز ما تثبته المادة العلمية.

ولا يُنشر كلام شرعي لمجرد أن الآلة صاغته بأسلوب مقنع، ولا يُكتفى بسلامة بعض المعلومات للحكم بصحة النص كله؛ فكل دعوى مؤثرة في البحث تحتاج إلى ما يسندها، وتبقى مسؤولية النشر على من يقدّم المادة باسمه أو يعتمدها للنشر؛ إذ لا يرفع عنه واجب التثبت كون الخطأ قد صدر أولًا عن أداة تقنية.

سادسًا: مراعاة الخصوصية وشروط الاستخدام

ينبغي للأئمة والمفتين والباحثين صيانة أسرار المستفتين وبياناتهم الشخصية وتفاصيل قضاياهم الخاصة، وألا تُدخل هذه المعلومات في أدوات الذكاء الاصطناعي دون حاجة معتبرة، وتحقق من ملاءمة الأداة لحمايتها، ومراعاة الضوابط الشرعية والنظامية ذات الصلة، والأصل الاقتصار على القدر اللازم من المعلومات، وتجريد المسألة من الأسماء والبيانات التي تكشف هوية أصحابها متى أمكن ذلك، مع الانتباه إلى أن بعض التفاصيل قد تدل على الشخص وإن حُذف اسمه.

كما ينبغي مراعاة سرية البحوث والوثائق غير المنشورة، وحقوق أصحابها، وعدم رفع مواد لا يملك المستخدم صلاحية مشاركتها، ومن الأمانة كذلك الالتزام بشروط المؤسسات العلمية والجهات الناشرة، والإفصاح عن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي حين تطلب الجهة ذلك، أو حين يكون بيان دوره لازمًا لصحة نسبة العمل وتقدير جهد صاحبه.

سابعًا: ألا تؤدي سهولة الوصول إلى الجواب إلى ضعف التحصيل

طلب العلم ليس مجرد الوصول إلى معلومة، بل هو فهم النصوص، ومعرفة مناهج العلماء، والتدرج في التعلم، وتنمية القدرة على التمييز والموازنة والاستدلال، وهذه ملكات لا تُكتسب بمجرد جمع الإجابات، مهما كانت مرتبة وحسنة الصياغة.

وقد تختصر التقنية بعض الوقت والجهد، لكنها لا تغني عن القراءة المتأنية، ومجالس العلم، والمذاكرة، وسؤال أهل الاختصاص، بل ينبغي أن يكون الوقت الذي توفره عونًا على مزيد من الفهم والتحقيق، لا سببًا في الانصراف عن أصول التعلم، ومن حسن استعمالها أن يحاول الطالب فهم المسألة وصياغة رأيه فيها أولًا، ثم يستعين بالأداة في تنظيم ما جمعه، أو استكشاف ما قد يكون أغفله، ويعود بعد ذلك إلى المصادر وأهل العلم للتحقق, وبهذا تبقى التقنية خادمة لتحصيله، وتظل قدرته على النظر والمراجعة حاضرة.

مسؤولية العلم لا تنتقل إلى الآلة

إن الانتفاع المنضبط بالذكاء الاصطناعي يقوم على الاستعانة به فيما يفيد فيه، والتحقق من مخرجاته، وعدم تفويضه فيما يتطلب أهلية علمية ومسؤولية شرعية، فكلما اتسعت إمكانات الوسيلة، ازدادت الحاجة إلى وعي مستخدمها وأمانته وحسن تقديره، قد يعيننا على الكتابة، لكنه لا يعفينا من مسؤولية ما نكتب؛ وقد يقترح جوابًا، لكنه لا يغني عن التحقق من دليله؛ وقد ييسر الوصول إلى المصادر، لكنه لا يغني عن قراءتها وفهمها؛ وقد يختصر بعض خطوات البحث، لكنه لا يختصر الطريق إلى الرسوخ في العلم.

الصفحة السابقة