تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 1
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج1 ص115
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت: 34 -36] .
والشيطان في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير، وقيل: مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار، ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى، ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب؛ قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان، عليه (1) السلام:
أيما شاطن عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأغلال (2)
فقال: أيما شاطن، ولم يقل: أيما شائط.
وقال النابغة الذبياني -وهو: زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع بن مرة بن سعد بن ذبيان-:
نأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين (3)
يقول: بعدت بها طريق بعيدة.
[وقال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان إذا فعل فعل الشيطان ولو كان من شاط لقالوا: تشيط] (4) .
والشيطان (5) مشتق من البعد على (6) الصحيح؛ ولهذا يسمون كل ما (7) تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطانا، قال الله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام: 112] .
وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ذر، تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن "، فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: " نعم " (8) .
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر -أيضا-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود ". فقلت: يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر (9) فقال: " الكلب الأسود شيطان " (10) .
وقال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ركب برذونا، فجعل يتبختر به، فجعل لا يضربه فلا يزداد إلا تبخترا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني (11) إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي. إسناده (12) صحيح (13) .
