تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 1
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج1 ص184
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى: أن المكر والهزء حاق بهم.
وقال آخرون: قوله: {إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم} وقوله {يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] ، وقوله {فيسخرون منهم سخر الله منهم} [التوبة: 79] و {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] وما أشبه ذلك، إخبار من الله تعالى أنه يجازيهم (1) جزاء الاستهزاء، ويعاقبهم (2) عقوبة الخداع فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] وقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} [البقرة: 194] ، فالأول ظلم، والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما.
قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.
قال: وقال آخرون: إن معنى ذلك: أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم، في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإنما نحن بما يظهر لهم -من قولنا لهم: صدقنا بمحمد، عليه السلام، وما جاء به مستهزئون؛ فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا، يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة، يعني من العذاب والنكال (3) .
ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله، عز وجل، بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.
قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس: حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {الله يستهزئ بهم} قال: يسخر بهم للنقمة منهم.
وقوله تعالى: {ويمدهم في طغيانهم يعمهون} قال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس (4) من الصحابة [قالوا] (5) يمدهم: يملي لهم.
وقال مجاهد: يزيدهم.
قال ابن جرير: والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم، كما قال: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 110] .
