شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 1

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج1 ص192

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

وهكذا رواه ابن جرير، عن ابن مثنى، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن المنهال.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي (1) حدثنا ابن إدريس، سمعت أبي يذكر عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود: {نورهم يسعى بين أيديهم} [التحريم: 8] قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى.

وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا أبو يحيى الحماني، حدثنا عتبة (2) بن اليقظان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا.

وقال الضحاك بن مزاحم: يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورا؛ فإذا انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا، فقالوا: " ربنا أتمم لنا نورنا ".

فإذا تقرر هذا صار الناس أقساما: مؤمنون خلص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفار خلص، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها، ومنافقون، وهم قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع من الإيمان وتارة يخبو (3) وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالا من الذين قبلهم.

وهذا المقام يشبه (4) من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن (5) وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور، بالمصباح (6) في الزجاجة التي كأنها كوكب دري، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله.

ثم ضرب مثل العباد من الكفار، الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب، في قوله:

{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} الآية [النور: 39] .

ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل البسيط، وهم الذين قال [الله] (7) فيهم: {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] فقسم الكفار هاهنا إلى قسمين: داعية ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان

الصفحة السابقة الصفحة التالية