تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 1
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج1 ص226
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
قال لسليمان: {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون * الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} .
وقيل في [معنى] (1) قوله تعالى: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} غير ما ذكرناه؛ فروى الضحاك، عن ابن عباس: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} قال: يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.
وقال السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، قال: قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها} فهذا الذي أبدوا {وما كنتم تكتمون} يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.
وكذلك قال سعيد بن جبير، ومجاهد، والسدي، والضحاك، والثوري. واختار ذلك ابن جرير.
وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة: هو قولهم: لم يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} فكان الذي أبدوا قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها} وكان الذي كتموا بينهم قولهم: لن (2) يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم، والكرم.
وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قصة الملائكة وآدم: فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته؛ ولذلك (3) أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني، قال: وسبق من الله {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه قال: ولما (4) رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقروا له بالفضل (5) .
وقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس، وهو أن معنى قوله تعالى: {وأعلم ما تبدون} وأعلم -مع علمي غيب السماوات والأرض -ما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون (6) في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواء عندي سرائركم، وعلانيتكم.
والذي أظهروه بألسنتهم قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها، والذي كانوا يكتمون ما كان عليه منطويا إبليس من الخلاف على الله في أوامره (7) ، والتكبر عن طاعته.
