تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 1
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج1 ص261
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يوما، وهي المذكورة في الأعراف، في قوله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142] قيل: إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون وإنجائهم من البحر.
{وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53) }
وقوله: {وإذ آتينا موسى الكتاب} يعني: التوراة {والفرقان} وهو ما يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال {لعلكم تهتدون} وكان ذلك -أيضا-بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف. ولقوله (1) تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} [القصص: 43] .
وقيل: الواو زائدة، والمعنى: ولقد آتينا موسى الكتاب والفرقان وهذا غريب، وقيل: عطف عليه وإن كان المعنى واحدا، كما في قول الشاعر:
وقدمت الأديم لراقشيه ... فألفى قولها كذبا ومينا
وقال الآخر:
ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد
فالكذب هو المين، والنأي: هو البعد. وقال عنترة:
حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
فعطف الإقفار على الإقواء وهو هو.
{وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم (54) } .
هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل، قال الحسن البصري، رحمه الله، في قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} فقال: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حين قال الله تعالى: {ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا} الآية [الأعراف: 149] .
قال: فذلك حين يقول موسى: {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل}
وقال أبو العالية، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس: {فتوبوا إلى بارئكم} أي إلى خالقكم.
قلت: وفي قوله هاهنا: {إلى بارئكم} تنبيه على عظم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.
