تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 2
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج2 ص119
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة، فقال: {الذين ينفقون في السراء والضراء} أي: في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} [البقرة:274] . والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.
وقوله: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه فلم يعملوه، وعفوا (1) مع ذلك عمن أساء إليهم (2) وقد ورد في بعض الآثار: "يقول الله تعالى: ابن آدم، اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت، فلا أهلكك (3) فيمن أهلك" رواه ابن أبي حاتم (4) .
وقد قال أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الزمن، حدثنا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل، حدثنا (5) الربيع بن سليمان الجيزي (6) عن أبي عمرو بن أنس بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله قبل عذره" [و] (7) هذا حديث غريب، وفي إسناده نظر (8) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ليس الشديد (9) بالصرعة، ولكن الشديد (10) الذي يملك نفسه عند الغضب".
وقد رواه الشيخان من حديث مالك (11) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله، هو ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ " قال: قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه. قال: "اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله مالك من مالك إلا ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت". قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تعدون فيكم الصرعة؟ " قلنا: الذي لا تصرعه (12) الرجال، قال: قال "لا ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب". قال: قال (13) رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تعدون فيكم الرقوب؟ " قال: قلنا: الذي لا ولد له. قال: "لا ولكن الرقوب الذي لم (14) يقدم من ولده شيئا".
