تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 2
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج2 ص148
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
يقول تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: {فبما رحمة من الله لنت لهم} أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم.
قال قتادة: {فبما رحمة من الله لنت لهم} يقول: فبرحمة من الله لنت لهم. و"ما" صلة، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء:155، المائدة:13] وبالنكرة كقوله: {عما قليل} [المؤمنون:40] وهكذا (1) هاهنا قال: {فبما رحمة من الله لنت لهم} أي: برحمة من الله (2) .
وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به.
وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة:128] .
وقال الإمام أحمد: حدثنا حيوة، حدثنا بقية، حدثنا محمد بن زياد، حدثني أبو راشد الحبراني قال: أخد بيدي أبو أمامة الباهلي وقال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أبا أمامة، إن من المؤمنين من يلين لي قلبه". (3)
انفرد (4) به أحمد (5) .
ثم قال تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} الفظ: الغليظ، [و] (6) المراد به هاهنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: {غليظ القلب} أي: لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه رأى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة: أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح (7) .
وروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي، حدثنا عمار بن عبد الرحمن، عن المسعودي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض" (8) حديث غريب (9) .
