تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 2
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج2 ص173
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} وذلك من شدة حرصه على الناس كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: ولا يحزنك ذلك {إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} أي: حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته ألا يجعل لهم نصيبا في الآخرة {ولهم عذاب عظيم} .
ثم قال تعالى مخبرا عن ذلك إخبارا مقررا: {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان} أي: استبدلوا هذا بهذا {لن يضروا الله شيئا} أي: ولكن يضرون أنفسهم {ولهم عذاب أليم} .
ثم قال تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} كقوله تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون:55، 56] ، وكقوله {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} [القلم:44] ، وكقوله {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة:55] .
ثم قال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} أي: لا بد أن يعقد سببا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه. يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر. يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم [وثباتهم] (1) وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهتك به ستر المنافقين، فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله [صلى الله عليه وسلم] (2) ولهذا قال: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} .
قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد. وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة. وقال السدي: قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا عمن يؤمن به منا ومن يكفر. فأنزل الله: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى [يميز الخبيث من الطيب} أي: حتى] (3) يخرج المؤمن من الكافر.
روى ذلك كله ابن جرير:
ثم قال: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز (4) لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده (5) من الأسباب الكاشفة عن ذلك.
ثم قال: {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} كقوله {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} [الجن:26، 27] .
ثم قال: {فآمنوا بالله ورسله} أي: أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع (6) لكم {وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم} .
