تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 2
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج2 ص39
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة، بتحصينهن وقيامه عليهن، واكتسابه لهن، وهدايته إياهن. بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: "حبب إلي من دنياكم".
هذا لفظه. والمقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: {هب (1) لي من لدنك ذرية طيبة} كأنه قال: ولدا له ذرية ونسل وعقب، والله سبحانه وتعالى أعلم.
[وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عيسى بن حماد زغبة ومحمد بن سلمة المرادي قالا حدثنا حجاج، عن سلمان بن القمري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه، إن شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا، فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين"، ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: "كان ذكره مثل هذه القذاة"] (2) .
قوله: {ونبيا من الصالحين} هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى كقوله (3) تعالى لأم موسى: {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} [القصص: 7] فلما تحقق زكريا، عليه السلام، هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال} أي الملك: {كذلك الله يفعل ما يشاء} أي: هكذا أمر الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر. {قال رب اجعل لي آية} أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} أي: إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح، كما في قوله: {ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] ثم أمر بكثرة الذكر والشكر والتسبيح في هذه الحال، فقال: {واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم، إن شاء الله تعالى.
{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (42) يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) }
هذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم، عليها السلام، عن أمر الله لهم بذلك: أن الله قد اصطفاها، أي: اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهرها من الأكدار والوسواس (4) واصطفاها ثانيا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين.
