شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 2

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج2 ص373

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

وقوله: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم [كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها] (1) } الآية، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام؛ ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم [إنما نحن مستهزئون] (2) } [البقرة: 14] وقال هاهنا: {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} أي: انهمكوا فيها.

وقال السدي: الفتنة هاهنا: الشرك. وحكى ابن جرير، عن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا؛ ولهذا قال تعالى: {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم} أي: عن القتال {فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي: أين لقيتموهم {وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا} أي: بينا واضحا.

{وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما (92) ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93) }

يقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (1) .

ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه.

وقوله: {إلا خطأ} قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر (2)

من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ ... على الأرض إلا ريط برد مرحل (3) .

ولهذا شواهد كثيرة.

واختلف في سبب نزول هذه [الآية] (4) فقال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش (5) بن

الصفحة السابقة الصفحة التالية