تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 2
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج2 ص77
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
بعد ذلك فأولئك هم الظالمون} أي: فمن كذب على الله وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائما، وأنه لم يبعث نبيا آخر يدعو إلى الله بالبراهين والحجج بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه {فأولئك هم الظالمون} .
ثم قال تعالى: {قل صدق الله} أي: قل يا محمد: صدق فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن {فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} أي: اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [الأنعام:161] وقال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [النحل:123] .
{إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) }
يخبر تعالى أن (1) أول بيت وضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به ويصلون إليه ويعتكفون عنده {للذي ببكة} يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل [عليه السلام] (2) الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه. ولهذا قال: {مباركا} أي وضع مباركا {وهدى للعالمين}
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة". قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركت (3) الصلاة فصل، فكلها مسجد".
وأخرجه البخاري، ومسلم، من حديث الأعمش، به (4) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا شريك عن مجالد، عن الشعبي عن علي في قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} قال: كانت البيوت قبلة، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله [تعالى] (5) .
[قال] (6) وحدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد
