تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 2
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج2 ص79
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقوله: {فيه آيات بينات} أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله تعالى عظمه وشرفه.
ثم قال تعالى: {مقام إبراهيم} يعني: الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقا (1) بجدار البيت، حتى أخره عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في إمارته إلى ناحية الشرق (2) بحيث يتمكن الطواف، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة:125] وقد قدمنا الأحاديث في ذلك، فأغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة.
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} أي: فمنهن (3) مقام إبراهيم والمشعر.
وقال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة. وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، وغيرهم.
وقال أبو طالب في قصيدته:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد وعمرو الأودي قالا حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: {مقام إبراهيم} قال: الحرم كله مقام إبراهيم. ولفظ عمرو: الحجر كله مقام إبراهيم.
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: الحج مقام إبراهيم. هكذا رأيت في النسخة، ولعله الحجر كله مقام إبراهيم، وقد صرح بذلك مجاهد.
وقوله: {ومن دخله كان آمنا} يعني: حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل (4) الحرم فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التيمي، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {ومن دخله كان آمنا} قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه.
وقال الله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت:67] وقال تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} [قريش:3، 4] وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع أشجارها وقلع ثمارها
