تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص224
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
تنزيل الكتاب} [سورة السجدة] . فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه، ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد -وكان إذا أصابته شدة دعا بسبعة أخر: يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السموات والأرض، وما بينهما ورب العرش العظيم، يا رب.
وهذا أثر عجيب جدا. (1)
وقوله: {وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} أي: واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم، فكذبوك واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك (2) إلي، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم. وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان واقعا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة. وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي} وهذا أيضا من الامتنان عليه، عليه السلام، بأن جعل له أصحابا وأنصارا. ثم قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام، كما قال: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} الآية [القصص:7] ، وهذا (3) وحي إلهام بلا خوف، وكما قال تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا} الآية [النحل:68، 69] . وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا} [أي: بالله وبرسول الله] (4) {واشهد بأننا مسلمون} أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا.
قال الحسن البصري: ألهمهم الله. عز وجل ذلك، وقال السدي: قذف في قلوبهم ذلك.
ويحتمل أن يكون المراد: وإذ أوحيت إليهم بواسطتك، فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا (5) وتابعوك، فقالوا: {آمنا واشهد بأننا مسلمون}
