تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص284
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نورا، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقبضها جميعا ثم يلقيها في الصور.
ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النحل (1) قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول [الله] (2) وعزتي وجلالي، ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم (3) وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون سراعا إلى ربكم تنسلون (4) {مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر} [القمر: 8] حفاة عراة [غلفا] (5) غرلا فتقفون (6) موقفا واحدا مقداره سبعون (7) عاما، لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون (8) دما وتعرقون حتى يلجمكم العرق، أو يبلغ الأذقان، وتقولون (9) من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فتقولون (10) من أحق بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا؟ فيأتون آدم، فيطلبون ذلك إليه فيأبى، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك. فيستقرءون الأنبياء نبيا نبيا، كلما جاءوا نبيا، أبى عليهم". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حتى يأتوني، فأنطلق إلى (11) الفحص فأخر ساجدا" قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال: "قدام العرش حتى يبعث الله إلي ملكا فيأخذ بعضدي، ويرفعني، فيقول لي: يا محمد (12) فأقول: نعم يا رب. فيقول الله، عز وجل: ما شأنك؟ وهو أعلم، فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك، فاقض بينهم. قال [الله] (13) قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأرجع فأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، إذ سمعنا حسا من السماء شديدا، فهالنا فنزل (14) أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا وهو آت.
ثم ينزل [من] (15) أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا وهو آت.
ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف، حتى ينزل الجبار، عز وجل، في ظلل من الغمام والملائكة، فيحمل عرشه (16) يومئذ ثمانية -وهم اليوم أربعة -أقدامهم في (17) تخوم الأرض السفلى،
