شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص299

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

ثم قال: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده} أي: إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم، {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، كما قال [تعالى] (1) {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} الآية [الزمر: 65] ، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله [تعالى] (2) {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81] ، وكقوله {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} [الأنبياء: 17] وكقوله {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار} [الزمر: 4] .

وقوله: {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة} أي: أنعمنا عليهم بذلك رحمة للعباد بهم، ولطفا منا بالخليقة، {فإن يكفر بها} أي: بالنبوة. ويحتمل أن يكون الضمير عائدا على هذه الأشياء الثلاثة: الكتاب، والحكم، والنبوة.

وقوله: {هؤلاء} يعني: أهل مكة. قاله ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والضحاك، وقتادة، والسدي. {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} أي: إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، ومليين وكتابيين، فقد وكلنا بها قوما {آخرين} يعني: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة، {ليسوا بها بكافرين} أي: لا يجحدون شيئا منها، ولا يردون منها حرفا واحدا، بل يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وإحسانه.

ثم قال تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: {أولئك} يعني: الأنبياء المذكورين مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان وهم الأشباه {الذين هدى الله} أي: هم أهل الهداية لا غيرهم، {فبهداهم اقتده} أي: اقتد واتبع. وإذا كان هذا أمرا للرسول صلى الله عليه وسلم، فأمته تبع له فيما يشرعه [لهم] (3) ويأمرهم به.

قال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني سليمان الأحول، أن مجاهدا أخبره، أنه سأل ابن عباس: أفي (ص) سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا {ووهبنا له إسحاق} إلى قوله: {فبهداهم اقتده} ثم قال: هو منهم -زاد يزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، وسهل بن يوسف، عن العوام، عن مجاهد قال: قلت لابن عباس، فقال: نبيكم صلى الله عليه وسلم ممن أمر أن يقتدي بهم (4)

وقوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا} أي: لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن {أجرا} أي: أجرة، ولا أريد منكم شيئا، {إن هو إلا ذكرى للعالمين} أي: يتذكرون به فيرشدوا من العمى إلى الهدى، ومن الغي (5) إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإيمان.

الصفحة السابقة الصفحة التالية