شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص334

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

فقال: من هذا؟ قالوا: ابن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: {الله أعلم حيث يجعل رسالته}

وقوله تعالى: {سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد [بما كانوا يمكرون] } (1) هذا وعيد شديد من الله وتهديد أكيد، لمن تكبر عن اتباع رسله والانقياد لهم (2) فيما جاؤوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله {صغار} وهو الذلة الدائمة، لما (3) أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذلا كما قال تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] أي: صاغرين ذليلين حقيرين.

وقوله: {وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} لما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا، وهو التلطف في التحيل والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد جزاء وفاقا، {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] ، كما قال تعالى: {يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9] أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر. وجاء في الصحيحين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان" (4) .

والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل.

{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) }

يقول تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامة على الخير، كقوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين] (1) } [الزمر: 22] ، وقال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7] .

قال ابن عباس: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} يقول: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به وكذا قال أبو مالك، وغير واحد. وهو ظاهر.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أكيس؟ قال: "أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم (2) لما بعده استعدادا". قال:

الصفحة السابقة الصفحة التالية