تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص404
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقال السدي: {كما بدأكم تعودون. فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} يقول: {كما بدأكم تعودون} كما خلقناكم، فريق مهتدون وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا، كما قال [تعالى] (1) {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم (2) مؤمنا وكافرا.
قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري " فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع -أو: ذراع -فيسبق (3) عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع -أو: ذراع -فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة" (4)
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد ليعمل -فيما يرى الناس -بعمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار. وإنه ليعمل -فيما يرى الناس -بعمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم" (5)
هذا قطعة من حديث رواه البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني، في قصة "قزمان" يوم أحد (6)
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تبعث كل نفس على ما كانت عليه".
وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه، عن الأعمش، به. ولفظه: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" (7)
قلت: ولا بد من الجمع بين هذا القول -إن كان هو المراد من الآية -وبين قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30] وما جاء في الصحيحين، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" (8) وفي صحيح مسلم، عن عياض بن حمار (9) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" الحديث. ووجه
