تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص457
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى * وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه:66: 69] .
قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا. قال: فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
وقال محمد بن إسحاق: صف خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، عليه السلام، معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته، ثم قال السحرة: {يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى * قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم} [طه:65، 66] فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي (1) فإذا حيات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا.
وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل، ليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا، {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم} يقول: فرقوهم أي: من الفرق.
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدثنا القاسم ابن أبي بزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (2) ؛ ولهذا قال تعالى: {وجاءوا بسحر عظيم}
{وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119) وألقي السحرة ساجدين (120) } {قالوا آمنا برب العالمين (121) رب موسى وهارون (122) }
يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى، عليه السلام، في ذلك الموقف العظيم، الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل، يأمره بأن يلقي ما في يمينه وهي عصاه، {فإذا هي تلقف} أي: تأكل {ما يأفكون} أي: ما يلقونه ويوهمون أنه حق، وهو باطل.
قال ابن عباس: فجعلت لا تمر بشيء (1) من حبالهم ولا من خشبهم (2) إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمر من السماء، وليس هذا بسحر، فخروا سجدا وقالوا: {آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون}
وقال محمد بن إسحاق: جعلت تبتلع (3) تلك الحبال والعصي واحدة، واحدة حتى ما يرى
