تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص498
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
يذكر تعالى أنه فرقهم في الأرض أمما، أي: طوائف وفرقا، كما قال [تعالى] (1) {وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا} [الإسراء:104]
{منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} أي: فيهم الصالح وغير ذلك، كما قالت الجن: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا} [الجن:11] ، {وبلوناهم} أي: اختبرناهم {بالحسنات والسيئات} أي: بالرخاء والشدة، والرغبة والرهبة، والعافية والبلاء، {لعلهم يرجعون}
ثم قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} يقول تعالى: فخلف من بعد ذلك الجيل الذين فيهم الصالح والطالح، خلف آخر لا خير فيهم، وقد ورثوا دراسة [هذا] (2) الكتاب وهو التوراة -وقال مجاهد: هم النصارى -وقد يكون أعم من ذلك، {يأخذون عرض هذا الأدنى} أي: يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة الدنيا، ويسرفون أنفسهم ويعدونها بالتوبة، وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه؛ ولهذا قال: {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} كما قال سعيد بن جبير: يعملون الذنب، ثم يستغفرون الله منه، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه.
وقول مجاهد في قوله: {يأخذون عرض هذا الأدنى} قال: لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، حلالا كان أو حراما، ويتمنون المغفرة، ويقولون: {سيغفر لنا} وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه.
وقال قتادة في: {فخلف من بعدهم خلف} أي: والله، لخلف سوء، ورثوا الكتاب بعد أنبيائهم ورسلهم، ورثهم الله وعهد إليهم، وقال الله في آية أخرى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} [مريم:59] ، قال {يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا} تمنوا على الله أماني، وغرة يغترون بها، {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} لا يشغلهم شيء عن شيء، ولا ينهاهم شيء عن ذلك، كلما هف لهم شيء من [أمر] (3) الدنيا أكلوه، ولا يبالون حلالا كان أو حراما.
وقال السدي [في] (4) قوله: {فخلف من بعدهم خلف} إلى قوله: {ودرسوا ما فيه} قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود ألا يفعلوا ولا يرتشي، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى، فيقال له: ما شأنك ترتشي في الحكم، فيقول: "سيغفر لي"، فتطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع، فإذا مات، أو نزع، وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه، فيرتشي. يقول: وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه.
