شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 3

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج3 ص74

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

وقد ورد (1) في الحديث: "من أصبح منكم معافى (2) في جسده، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها". (3)

وقوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} يعني عالمي زمانكم، فكأنهم (4) كانوا أشرف (5) الناس في زمانهم، من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم، كما قال: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين} [الجاثية: 16] وقال تعالى إخبارا عن موسى لما قالوا: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين} [الأعراف: 138-140]

والمقصود: أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجا، وأكرم نبيا، وأعظم ملكا، وأغزر أرزاقا، وأكثر أموالا وأولادا، وأوسع مملكة، وأدوم عزا، قال الله [عز وجل] (6) {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] وقال {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها، عند الله، عند قوله عز وجل: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} من (7) سورة آل عمران.

وروى ابن جرير عن ابن عباس، وأبي مالك وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} يعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} مع هذه الأمة. والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه وهو محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا.

وقيل: المراد: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} يعني بذلك: ما كان تعالى نزله (8) عليهم من المن والسلوى، وتظللهم (9) من الغمام وغير ذلك، مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله (10) أعلم.

ثم قال تعالى مخبرا عن تحريض، موسى، عليه السلام، لبني (11) إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس، الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه السلام، ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى [عليه السلام] (12) فوجدوا فيها قوما من العمالقة الجبارين، قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى، عليه السلام، بالدخول

الصفحة السابقة الصفحة التالية