شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص128

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم.

وفي الصحيحين من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، رضي الله عنهما، أنه قال له رجل: يا أبا عمارة، أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إن هوازن كانوا قوما رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وهو يقول:

أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب (1)

قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، هو مع ذلك (2) على بغلة وليست سريعة الجري، ولا تصلح لكر ولا لفر ولا لهرب، وهو مع هذا (3) أيضا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله، وتوكلا عليه، وعلما منه بأنه سينصره، ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان؛ ولهذا قال تعالى: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله) أي: طمأنينته وثباته على رسوله، (وعلى المؤمنين) أي: الذين معه، (وأنزل جنودا لم تروها) وهم الملائكة، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير:

[حدثنا القاسم قال] (4) حدثني الحسن بن عرفة قال: حدثني المعتمر بن سليمان، عن عوف -هو ابن أبي جميلة الأعرابي -قال: سمعت عبد الرحمن مولى ابن برثن، حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين (5) لم يقوموا لنا حلب شاة -قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا. قال: فانهزمنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إياها.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي (6) حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحارث بن حصيرة، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال ابن مسعود، رضي الله عنه: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس، وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار، قدمنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يمضي قدما، فحادت بغلته، فمال عن السرج، فقلت: ارتفع رفعك الله. قال: "ناولني كفا من التراب". فناولته، قال: فضرب به وجوههم، فامتلأت أعينهم ترابا، قال: "أين

الصفحة السابقة الصفحة التالية