تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص202
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
بن منبه، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن".
ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عن سفيان الثوري، به (1) وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الثوري.
ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف:109] ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه أضعافها حتى رضي، قال: "لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قرشي، أو ثقفي أو أنصاري، أو دوسي" (2) ؛ لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن: مكة، والطائف، والمدينة، واليمن، فهم ألطف أخلاقا من الأعراب: لما في طباع الأعراب من الجفاء.
حديث [الأعرابي] (3) في تقبيل الولد: قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو أسامة وابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم. قالوا: ولكنا والله ما نقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأملك أن كان الله نزع منكم الرحمة؟ ". وقال ابن نمير: "من قلبك الرحمة" (4)
وقوله: {والله عليم حكيم} أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، {حكيم} فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل، لعلمه وحكمته.
وأخبر تعالى أن منهم {من يتخذ ما ينفق} أي: في سبيل الله {مغرما} أي: غرامة وخسارة، {ويتربص بكم الدوائر} أي: ينتظر بكم (5) الحوادث والآفات، {عليهم دائرة السوء} أي: هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم، {والله سميع عليم} أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.
وقوله: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول} هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، {ألا إنها قربة لهم} أي: ألا إن ذلك حاصل لهم، {سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم}
