شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص308

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} [المؤمنون:115، 116] ، وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56] .

وقوله: {ليبلوكم} أي: ليختبركم {أيكم أحسن عملا} ولم يقل: أكثر عملا بل {أحسن عملا} ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله عز وجل، على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين بطل وحبط.

وقوله: {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} يقول تعالى: ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم، مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض، [كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: 87] ، {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض] وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} [العنكبوت:61] ، (1) وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة، الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة، كما قال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم:27] ، وقال تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان:28] وقولهم (2) : {إن هذا إلا سحر مبين} أي: يقولون كفرا وعنادا ما نصدقك (3) على وقوع البعث، وما يذكر ذلك (4) إلا من سحرته، فهو يتبعك على ما تقول.

وقوله: {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه} يقول تعالى: ولئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود وأمد محصور، وأوعدناهم به إلى مدة مضروبة، ليقولن تكذيبا واستعجالا {ما يحبسه} أي: يؤخر هذا العذاب عنا، فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك، فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد.

و"الأمة" تستعمل في القرآن والسنة في معان متعددة، فيراد بها: الأمد، كقوله في هذه الآية: {إلى أمة معدودة} وقوله في [سورة] (5) يوسف: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة} [يوسف:45] ، وتستعمل في الإمام المقتدى به، كقوله: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين} [النحل:120] ، وتستعمل في الملة والدين، كقوله إخبارا عن المشركين أنهم قالوا: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف:23] ، وتستعمل في الجماعة، كقوله: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون} [القصص:23] ، وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] ، وقال تعالى: {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} [يونس:47] .

والمراد من الأمة هاهنا: الذين يبعث فيهم الرسول (6) مؤمنهم وكافرهم، كما [جاء] (7) في

الصفحة السابقة الصفحة التالية