شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص314

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

ألا لعنة الله على الظالمين}

أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، من حديث قتادة به (1) .

وقوله: {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} أي يردون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق (2) الهدى الموصلة إلى الله عز وجل ويجنبونهم (3) الجنة، {ويبغونها عوجا} أي: ويريدون أن يكون طريقهم (4) عوجا غير معتدلة، {وهم بالآخرة هم كافرون} أي: جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها.

{أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء} أي: بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة، ولكن {يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] ، وفي الصحيحين: "إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته"؛ (5) ولهذا قال تعالى: {يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} أي: يضاعف عليهم العذاب، وذلك لأن الله تعالى جعل لهم سمعا وأبصارا وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم [من شيء] (6) ، بل كانوا صما عن سماع الحق، عميا عن اتباعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] ، وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} [النحل: 88] ؛ ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه، وعلى كل نهي ارتكبوه؛ ولهذا كان أصح الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الآخرة.

وقوله: {أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: خسروا أنفسهم لأنهم دخلوا (7) نارا حامية، فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين، كما قال تعالى: {كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء: 97] .

و {ضل عنهم} أي: ذهب عنهم {ما كانوا يفترون} من دون الله من الأنداد والأصنام، فلم تجد عنهم شيئا، بل ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 6] ، وقال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81، 82] ، (8) وقال الخليل لقومه: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] ، (9) وقال تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب

الصفحة السابقة الصفحة التالية