تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص323
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
يقرن فيها بين انتقامه ورحمته.
وقوله: {وهي تجري بهم في موج كالجبال} أي: السفينة سائرة بهم على وجه الماء، الذي قد طبق (1) جميع الأرض، حتى طفت (2) على رءوس الجبال، وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعا، وقيل: بثمانين ميلا وهذه السفينة على وجه الماء سائرة بإذن الله وتحت كنفه وعنايته (3) وحراسته وامتنانه كما قال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} [الحاقة: 11، 12] ، وقال تعالى: {وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر} [القمر: 13 -15] .
وقوله: {ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} هذا هو الابن الرابع، واسمه "يام"، وكان كافرا، دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون، {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} وقيل: إنه اتخذ له مركبا من زجاج، وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته. والذي نص عليه القرآن أنه قال: {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رءوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح، عليه السلام: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} أي: ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله. وقيل: إن عاصما بمعنى معصوم، كما يقال: "طاعم وكاس"، بمعنى مطعوم ومكسو، {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} .
{وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) }
يخبر تعالى أنه لما غرق (4) أهل الأرض إلا أصحاب السفينة، أمر (5) الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر، {وغيض الماء} أي: شرع في النقص، {وقضي الأمر} أي: فرغ من أهل الأرض قاطبة، ممن كفر بالله، لم يبق منهم ديار، {واستوت} السفينة بمن فيها {على الجودي} قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله عز وجل، فلم يغرق، وأرست عليه سفينة نوح عليه السلام.
وقال قتادة: استوت عليه شهرا حتى نزلوا منها، قال قتادة: قد أبقى (6) الله سفينة نوح، عليه السلام، على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد
