تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 4
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج4 ص483
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
قالت لهم رسلهم: {إن نحن إلا بشر مثلكم} أي: صحيح أنا بشر مثلكم في البشرية {ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} أي: بالرسالة والنبوة {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان} على وفق ما سألتم {إلا بإذن الله} أي: بعد سؤالنا إياه، وإذنه لنا في ذلك، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي: في جميع أمورهم.
ثم قالت الرسل: {وما لنا ألا نتوكل على الله} أي: وما يمنعنا من التوكل عليه، وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها، {ولنصبرن على ما آذيتمونا} أي: من الكلام السيئ، والأفعال السخيفة، {وعلى الله فليتوكل المتوكلون}
{وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (17) }
يخبر تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم، من الإخراج من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} [الأعراف: 88] ، وقال قوم لوط: {أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} [النمل: 56] ، وقال تعالى إخبارا عن مشركي قريش: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا} [الإسراء: 76] ، وقال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] .
وكان (1) من صنعه تعالى: أنه أظهر رسوله ونصره، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارا وأعوانا وجندا، يقاتلون في سبيل الله، ولم يزل يرقيه [الله] (2) تعالى من شيء إلى شيء، حتى فتح له مكة التي أخرجته، ومكن له فيها، وأرغم آناف أعدائه منهم، و [من] (3) سائر [أهل] (4) الأرض، حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان؛ ولهذا قال تعالى: {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم} كما قال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 171 -173] ، وقال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي (5) عزيز} [المجادلة: 21] ، وقال: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] ،
