تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص115
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
يبلغنا عنك أنك تقول: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال: "كلا قد عنيت". قالوا: إنك تتلو أنا أوتينا التوراة، وفيها تبيان كل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إن عملتم به استقمتم"، وأنزل الله: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} [لقمان: 27] .
وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا على أقوال:
أحدها: أن المراد [بالروح] (1) : أرواح بني آدم.
قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {ويسألونك عن الروح} الآية، وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرنا عن (2) الروح؟ وكيف تعذب الروح التي في الجسد، وإنما الروح من الله؟ ولم يكن نزل عليه فيه شيء، فلم يحر إليهم شيئا. فأتاه جبريل فقال له: {قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقالوا: من جاءك بهذا؟ فقال: "جاءني به جبريل من عند الله؟ " فقالوا له: والله ما قاله لك إلا عدو لنا. فأنزل الله: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله [مصدقا لما بين يديه] (3) } الآية [البقرة: 97] .
وقيل: المراد بالروح هاهنا: جبريل. قاله قتادة، قال: وكان ابن عباس يكتمه.
وقيل: المراد به هاهنا: ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها. قال (4) علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {ويسألونك عن الروح} يقول: الروح: ملك.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس (5) المصري، حدثنا وهب بن رزق أبو هريرة (6) حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عطاء، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن لله ملكا، لو قيل له: التقم السماوات السبع والأرضين (7) بلقمة واحدة، لفعل، تسبيحه: سبحانك حيث كنت" (8) .
وهذا حديث غريب، بل منكر.
وقال أبو جعفر بن جرير، رحمه الله: حدثني علي، حدثني عبد الله، حدثني أبو نمران يزيد بن سمرة صاحب قيسارية، عمن حدثه عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال في قوله: {ويسألونك عن الروح} قال: هو ملك من الملائكة، له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها [سبعون] (9) ألف لغة، يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة (10) .
