تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص122
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
{قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (96) }
يقول تعالى مرشدا نبيه إلى الحجة على قومه، في صدق ما جاءهم به: أنه شاهد علي وعليكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذبا [عليه] (1) انتقم مني أشد الانتقام، كما قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين} [الحاقة: 44 -46] .
وقوله: {إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} أي: عليم بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية، ممن يستحق الشقاء والإضلال (2) والإزاغة؛ ولهذا قال:
{ومن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا (97) } .
يقول تعالى مخبرا عن تصرفه في خلقه، ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له، بأنه من يهده فلا مضل له (ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه) أي: يهدونهم، كما قال: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: 17] .
وقوله: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) قال الإمام أحمد:
حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل عن نفيع قال (1) : سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله، كيف يحشر (2) الناس على وجوههم؟ قال: "الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم". وأخرجاه في الصحيحين (3) .
وقال الإمام أحمد أيضا: [حدثنا يزيد] (4) ، حدثنا الوليد بن جميع القرشي، عن أبيه، حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد قال: قام أبو ذر فقال: يا بني غفار، قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني: أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج (5) يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار. فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون (6) ؟ قال: يلقي الله، عز وجل، الآفة على (7) الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة، فيعطيها بالشارف ذات القتب، فلا يقدر عليها (8) .
