شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص165

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [النمل:88] ، وقال تعالى: {وتكون الجبال كالعهن المنفوش} [القارعة:5] وقال: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} [طه:105-107] يقول تعالى: إنه تذهب الجبال، وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض {قاعا صفصفا} أي: سطحا مستويا لا عوج فيه {ولا أمتا} أي: لا وادي ولا جبل؛ ولهذا قال تعالى: {وترى الأرض بارزة} [أي: بادية ظاهرة، ليس فيها معلم لأحد ولا مكان يواري أحدا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية.

قال مجاهد، وقتادة: {وترى الأرض بارزة} ] (1) لا خمر فيها ولا غيابة. قال قتادة: لا بناء ولا شجر.

وقوله: {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} أي: وجمعناهم، الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدا، لا صغيرا ولا كبيرا، كما قال: {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} [الواقعة:50، 49] ، وقال: {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} [هود:103] ،

وقوله: {وعرضوا على ربك صفا} يحتمل أن يكون المراد: أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفا واحدا، كما قال تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبإ:38] ويحتمل أنهم يقومون (2) صفوفا صفوفا، كما قال: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر:22]

وقوله: {لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رءوس الأشهاد؛ ولهذا قال مخاطبا لهم: {بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا} أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن.

وقوله: {ووضع الكتاب} أي: كتاب الأعمال، الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير {فترى المجرمين مشفقين مما فيه} أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، {ويقولون يا ويلتنا} أي: يا حسرتنا وويلنا (3) على ما فرطنا في أعمارنا {مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} أي: لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر {إلا أحصاها} أي: ضبطها، وحفظها.

وروى الطبراني، بإسناده المتقدم في الآية قبلها، إلى سعد ابن جنادة قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين، نزلنا قفرا من الأرض، ليس فيه شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجمعوا، من وجد عودا فليأت به، ومن وجد حطبا أو شيئا فليأت به. قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا. فليتق الله رجل ولا

الصفحة السابقة الصفحة التالية