تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص167
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
بالحسنات والسيئات" (1) .
وعن شعبة، عن العوام بن مزاحم، عن أبي عثمان، عن عثمان بن عفان، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة" (2) رواه عبد الله بن الإمام أحمد وله شواهد من وجوه أخر، وقد ذكرناها عند قوله: {ونضع (3) الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا} [الأنبياء:47] وعند قوله تعالى: {إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} [الأنعام:38]
{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (50) }
يقول تعالى منبها بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعا لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه، الذي أنشأه وابتداه، وبألطاف رزقه وغذاه، ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله، فقال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة} أي: لجميع الملائكة، كما تقدم تقريره في أول سورة "البقرة" (4) .
{اسجدوا لآدم} أي: سجود تشريف وتكريم وتعظيم، كما قال تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [الحجر:29، 28]
وقوله {فسجدوا إلا إبليس كان من الجن} أي: خانه أصله؛ فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، خلق (5) آدم مما وصف لكم" (6) . فعند الحاجة نضح (7) كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم، وتعبد وتنسك، فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة.
ونبه تعالى هاهنا على أنه {من الجن} أي: إنه خلق من نار، كما قال: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف:12، ص:76]
قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم، عليه السلام، أصل البشر. رواه ابن جرير بإسناد صحيح [عنه] (8) (9) .
