تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص229
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
قال نوف البكالي: لما قالوا لأمه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر، وقال: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} إلى قوله: {ما دمت حيا}
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت البناني: رفع إصبعه السبابة فوق منكبه، وهو يقول: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} الآية.
وقال عكرمة: {آتاني الكتاب} أي: قضى أنه (1) يؤتيني الكتاب فيما قضى.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد (2) عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإنجيل وأحكمه (3) في بطن أمه فذلك قوله: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} .
يحيى بن سعيد العطار الحمصي: متروك.
وقوله: {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال مجاهد، وعمرو بن قيس، والثوري: وجعلني معلما للخير. وفي رواية عن مجاهد: نفاعا.
وقال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد (4) بن خنيس المخزومي، سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالم عالما هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: {وجعلني مباركا أين ما كنت} ، وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أينما كان.
وقوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر: 99] .
وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس في قوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت (5) ، ما أثبتها لأهل القدر.
وقوله: {وبرا بوالدتي} أي: وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه؛ لأن الله تعالى كثيرا ما يقرن (6) بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23] وقال {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14] .
وقوله: {ولم يجعلني جبارا شقيا} أي: ولم يجعلني جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.
قال سفيان الثوري: الجبار الشقي: الذي يقبل (7) على الغضب.
