تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص338
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] ،
وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] ، فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة بذلك أيضا، والمشركون لا برهان لهم، وحجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد.
{وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) } .
يقول تعالى ردا على من زعم أن له -تعالى وتقدس-ولدا من الملائكة، كمن قال ذلك من العرب: إن الملائكة بنات الله، فقال: {سبحانه بل عباد مكرمون} أي: الملائكة عباد الله مكرمون عنده، في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولا وفعلا.
{لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} أي: لا يتقدمون بين يديه بأمر، ولا يخالفونه فيما أمر (1) به بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم، فلا يخفى عليه منهم خافية، {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم}
وقوله: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} كقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] ، وقوله: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ:23] ، في آيات كثيرة في معنى ذلك.
{وهم من خشيته} أي: من خوفه ورهبته {مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه} أي: من ادعى منهم أنه إله من دون الله، أي: مع الله، {فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} أي: كل من قال ذلك، وهذا شرط، والشرط لا يلزم وقوعه، كقوله: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81] ، وقوله {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر:65] .
{أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) } .
يقول تعالى منبها على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات، فقال: {أولم ير الذين كفروا} أي: الجاحدون لإلهيته العابدون (2) معه غيره، ألم يعلموا
