تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص355
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: سأل واحدا فقال: {رب هب لي من الصالحين} [الصافات:100] ، فأعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة.
{وكلا جعلنا صالحين} أي: الجميع أهل خير وصلاح، {وجعلناهم أئمة} أي: يقتدى بهم، {يهدون بأمرنا} أي: يدعون إلى الله بإذنه؛ ولهذا قال: {وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} من باب عطف الخاص على العام، {وكانوا لنا عابدين} أي: فاعلين لما يأمرون الناس به.
ثم عطف بذكر لوط -وهو لوط بن هاران بن آزر-كان قد آمن بإبراهيم، واتبعه، وهاجر معه، كما قال تعالى: {فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي} [العنكبوت:26] ، فآتاه الله حكما وعلما، وأوحى إليه، وجعله نبيا، وبعثه إلى سدوم وأعمالها، فخالفوه وكذبوه، فأهلكهم الله ودمر عليهم، كما قص خبرهم في غير موضع من كتابه العزيز؛ ولهذا قال: {ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين * وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين} .
{ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77) } .
يخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح، عليه السلام، حين دعا على قومه لما كذبوه: {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} [القمر:10] ، {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا. إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} [نوح:26، 27] ، ولهذا قال هاهنا: {إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه (1) وأهله} أي: الذين آمنوا به كما قال: {وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} [هود:40] .
وقوله: {من الكرب العظيم} أي: من الشدة والتكذيب والأذى، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز وجل، فلم يؤمن به منهم إلا القليل، وكانوا يقصدون لأذاه (2) ويتواصون قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل على خلافه.
وقوله: {ونصرناه من القوم} أي: ونجيناه وخلصناه منتصرا من القوم {الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين} أي: أهلكهم الله بعامة، ولم يبق على وجه الأرض منهم أحدا؛ إذ (3) دعا عليهم نبيهم.
{وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) }{ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) } .
قال ابن إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرما قد نبتت عناقيده. وكذا قال شريح.
قال ابن عباس: النفش: الرعي.
وقال شريح، والزهري، وقتادة: النفش بالليل. زاد قتادة: والهمل بالنهار.
قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم قالا حدثنا المحاربي، عن أشعت، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود في قوله: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم} قال: كرم قد أنبتت عناقيده، فأفسدته. قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله! قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: {ففهمناها سليمان} .
وهكذا روى العوفي، عن ابن عباس.
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، حدثنا (1) خليفة، عن ابن عباس قال: فحكم (2) داود بالغنم لأصحاب الحرث، فخرج الرعاء معهم الكلاب، فقال لهم سليمان: كيف قضى بينكم؟
فأخبروه، فقال: لو وليت أمركم لقضيت بغير هذا! فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؟ قال (3) أدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له أولادها وألبانها وسلاؤها ومنافعها ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه أخذ أصحاب الحرث الحرث وردوا الغنم إلى أصحابها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا خديج، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن مسروق قال: الحرث الذي نفشت فيه الغنم إنما كان كرما نفشت فيه الغنم، فلم تدع فيه ورقة ولا عنقودا من عنب إلا أكلته، فأتوا داود، فأعطاهم رقابها، فقال سليمان: لا بل تؤخذ الغنم فيعطاها (4) أهل الكرم، فيكون لهم لبنها ونفعها، ويعطى أهل الغنم الكرم فيصلحوه ويعمروه (5) حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم، وأهل الكرم كرمهم.
