شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص402

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرا. وذلك الفتنة.

وهكذا ذكر قتادة، والضحاك، وابن جريج، وغير واحد من السلف، في تفسير هذه الآية.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن (1) أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر.

وقال مجاهد في قوله: {انقلب على وجهه} أي: ارتد كافرا.

وقوله: {خسر الدنيا والآخرة} أي: فلا هو حصل من الدنيا على شيء، وأما الآخرة فقد كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة؛ ولهذا قال: {ذلك هو الخسران المبين} أي: هذه هي الخسارة العظيمة، والصفقة الخاسرة.

وقوله: {يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه} أي: من الأصنام والأنداد، يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها، وهي لا تنفعه ولا تضره، {ذلك هو الضلال البعيد. يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} أي: ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن.

وقوله: {لبئس المولى ولبئس العشير} : قال مجاهد: يعني الوثن، يعني: بئس هذا الذي دعا به من دون الله مولى، يعني: وليا وناصرا، {ولبئس العشير} وهو المخالط والمعاشر.

واختار ابن جرير أن المراد: لبئس ابن العم والصاحب من يعبد [الله] (2) على حرف، {فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه}

وقول مجاهد: إن المراد به الوثن، أولى وأقرب إلى سياق الكلام، والله أعلم.

{إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14) } .

لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء، عطف بذكر الأبرار السعداء، من الذين آمنوا بقلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات، [وتركوا المنكرات] (3) فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات، في روضات الجنات.

ولما ذكر أنه أضل أولئك، وهدى هؤلاء، قال: {إن الله يفعل ما يريد}

{من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) } {وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) } .

قال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، {فليمدد بسبب} أي: بحبل {إلى السماء} أي: سماء بيته، {ثم ليقطع} يقول: ثم ليختنق به. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، وأبو الجوزاء، وقتادة، وغيرهم.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {فليمدد (1) بسبب إلى السماء} أي: ليتوصل إلى بلوغ السماء، فإن النصر إنما يأتي محمدا من السماء، {ثم ليقطع} ذلك عنه، إن قدر على ذلك.

وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى، وأبلغ في التهكم؛ فإن المعنى: من ظن أن الله ليس بناصر محمدا وكتابه ودينه، فليذهب فليقتل نفسه، إن كان ذلك غائظه، فإن الله ناصره لا محالة، قال الله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} [غافر: 51، 52] ؛ ولهذا قال: {فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ}

قال السدي: يعني: من شأن محمد (2) صلى الله عليه وسلم.

وقال عطاء الخراساني: فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ.

وقوله: {وكذلك أنزلناه} أي: القرآن {آيات بينات} أي: واضحات في لفظها ومعناها، حجة من الله على الناس {وأن الله يهدي من يريد} أي: يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وله الحكمة التامة والحجة (3) القاطعة في ذلك، {لا (4) يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] ، أما هو فلحكمته ورحمته وعدله، وعلمه وقهره وعظمته، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.

{إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17) } .

يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين، ومن سواهم من اليهود والصابئين -وقد قدمنا في سورة "البقرة" التعريف بهم، واختلاف الناس فيهم-والنصارى والمجوس، والذين أشركوا فعبدوا غير الله معه؛ فإنه تعالى {يفصل بينهم يوم القيامة} ، ويحكم بينهم بالعدل (5) ، فيدخل من آمن به الجنة، ومن كفر به (6) النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم، وما تكن ضمائرهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية