شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص438

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

ثم قال تعالى: {فكأين (1) من قرية أهلكناها} أي: كم من قرية أهلكتها {وهي ظالمة} ] (2) أي: مكذبة لرسولها، {فهي خاوية على عروشها} قال الضحاك: سقوفها، أي: قد خربت منازلها وتعطلت حواضرها.

{وبئر معطلة} أي: لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها.

{وقصر مشيد} قال عكرمة: يعني المبيض بالجص.

وروي عن علي بن أبي طالب، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي المليح، والضحاك، نحو ذلك.

وقال آخرون: هو المنيف المرتفع.

وقال آخرون: الشديد المنيع الحصين.

وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته، عن حلول بأس الله بهم، كما قال تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] .

وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض} أي: بأبدانهم وبفكرهم أيضا، وذلك كاف، كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار":

حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا (3) جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى، عليه السلام، أن يا موسى، اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سح في الأرض، واطلب الآثار والعبر، حتى تتخرق النعلان (4) وتكسر العصا.

وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحي قلبك بالمواعظ، ونوره بالفكر، وموته بالزهد، وقوه باليقين، وذلله بالموت (5) ، وقرره بالفناء (6) ، وبصره فجائع (7) الدنيا، وحذره صولة (8) الدهر وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب (9) من كان قبله، وسر في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا، وأين حلوا، وعم انقلبوا.

أي: فانظروا (10) ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال (11) {فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} أي: فيعتبرون بها، {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر. وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى -وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن سارة (12) الأندلسي الشنتريني، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية