شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص487

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

يقول تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب} أي: ابتليناهم بالمصائب والشدائد، {فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} أي: فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على ضلالهم وغيهم. {فما استكانوا} أي: ما خشعوا، {وما يتضرعون} أي: ما دعوا، كما قال تعالى: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} [الأنعام: 43] .

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن حمزة المروزي، حدثنا علي ابن الحسين، حدثنا أبي، عن يزيد -يعني: النحوي-عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز -يعني: الوبر والدم-فأنزل الله: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون}

وهكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل، عن علي بن الحسين، عن أبيه، به (1) . وأصل هذا الحديث في الصحيحين: أن (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" (3) .

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، عن (4) وهب بن عمر بن كيسان قال: حبس وهب بن منبه، فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب الله، والله تعالى يقول: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} قال: وصام وهب ثلاثا متواصلة، فقيل له: ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟ قال: أحدث لنا فأحدثنا. يعني: أحدث لنا الحبس، فأحدثنا زيادة عبادة.

وقوله: {حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون} أي: حتى إذا جاءهم أمر الله وجاءتهم الساعة بغتة وأخذهم من عقاب الله ما لم يكونوا يحتسبون، فعند ذلك أبلسوا (5) من كل خير، وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم.

ثم ذكر تعالى نعمته على عباده في أن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم، التي يدركون (6) بها الأشياء، ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وأنه الفاعل المختار لما يشاء.

الصفحة السابقة الصفحة التالية