تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص52
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
إسناده جيد قوي، ولم يخرجوه.
وقال معمر، عن قتادة: {ألزمناه طائره في عنقه} قال: عمله. {ونخرج له يوم القيامة} قال: نخرج ذلك العمل {كتابا يلقاه منشورا} قال معمر: وتلا الحسن البصري {عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق: 17] يا ابن آدم، بسطت لك صحيفتك (1) ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل (2) ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} قد عدل -والله (3) -عليك من جعلك حسيب نفسك.
هذا من حسن (4) كلام الحسن، رحمه الله.
{من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) }
يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة (5) لنفسه {ومن ضل} أي: عن الحق، وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه.
ثم قال: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه، كما قال تعالى: {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} [فاطر: 18] .
ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت: 13] ، وقوله [تعالى] (6) {ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} [النحل: 25] ، فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحملوا عنهم شيئا. وهذا من عدل الله ورحمته بعباده.
وكذا قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} [الملك: 8، 9] ، وكذا قوله [تعالى] (7) : {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] ، وقال تعالى: {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا
