تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 5
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج5 ص91
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} وحتى قرأ ثلاث آيات ونزلت: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] (1) .
ولهذا قال تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات} أي: نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك، فإنه سهل علينا يسير لدينا، إلا أنه قد كذب بها الأولون بعدما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إذا كذبوا بها بعد نزولها، كما قال الله تعالى في المائدة:: {قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} [المائدة: 115] وقال تعالى عن ثمود، حين سألوا آية: ناقة تخرج (2) من صخرة عينوها، فدعا صالح ربه، فأخرج له منها ناقة على ما سألوا " فظلموا بها" (3) أي: كفروا بمن خلقها، وكذبوا رسوله وعقروا الناقة فقال: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} [هود: 65] ؛ ولهذا قال تعالى: {وآتينا ثمود الناقة} أي: دالة على وحدانية من خلقها وصدق الرسول الذي أجيب دعاؤه فيها {فظلموا بها} أي: كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها، فأبادهم الله عن آخرهم، وانتقم منهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
وقوله: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} قال قتادة: إن الله خوف الناس بما يشاء (4) من آياته لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال: يا أيها الناس، إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه.
وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب مرات، فقال عمر: أحدثتم، والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن. وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله، عز وجل، يرسلهما يخوف بهما (5) عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره". ثم قال: " يا أمة محمد، والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" (6) .
{وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (60) } .
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم محرضا له على إبلاغ رسالته، ومخبرا له بأنه قد عصمه من الناس، فإنه القادر عليهم، وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته.
قال مجاهد، وعروة بن الزبير، والحسن، وقتادة، وغيرهم في قوله: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط
